اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي
 يوم بكى رياض قاسم

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
عبد الزهرة زكي
 في باريس قبل أسابيع كنت أنتظر فرصة مناسبة لزيارة المكان الذي شهد الاعتداء الإرهابي على مدنيين في مقهى باريسي، فجاءت هذه الفرصة من دون تخطيط أو قصد مسبق، فجأة وجدتني في مكان قريب من المقهى، وتحديداً في مكان اختاره الفرنسيون لاستذكار ضحاياهم والتعبير عن مشاعرهم إزاء الجريمة.
كان المرشد إلى هذا المكان الصديق الكاتب العراقي فالح مهدي، وكان ثالثنا الصديق الكاتب قاسم محمد عباس، وكان المكان هو ساحة الجمهورية في قلب العاصمة الفرنسية.
واقعاً كان قاسم محمد عباس هو أولنا في ذلك النهار الممتع وليس ثالثنا؛ فهو من جمعنا بعدما اتصل بفالح بعد يوم من بلوغنا العاصمة الفرنسية، وهو من وفّر فرصة تعارفي بفالح مهدي. لقد تعرفت على كاتب جاد وإنسان يتنافس على محياه بهاء التهذيب وبريق الذكاء.
لقد تركنا، أنا وقاسم، لمضيّفنا فالح حريةَ أن يمضي بنا إلى حيث يشاء.. 
في مثل هذا التعارف السريع سيكون من المحال أن أبادر بطلب التوجه إلى مكان محدد. باريس واسعة والوقت ضيق وجهلي كبير بمعالمها وجغرافيتها غير ما متاح لي عبر القراءة والمشاهدة التفزيونية والسينمائية، وأي طلب يتحدد معه المكان قد يكون محرجاً لصديق كان من الواضح عدم تردده في تنفيذ أية رغبة في ذلك اللقاء الأول.
ولا أدري كيف نجح هو في أن ينقلنا بدقائق من الدائرة الثامنة في باريس، حيث  الفندق الذي نقيم فيه، إلى الدائرة الثانية فيها حيث عالم المدينة الآخر الذي يختلف عما كنا عليه في الشانزليزيه. حياة المدن لا يمكن ولوجها من دون بلوغ قلب تلك الحياة في عمق المدينة السحيق وفي عالمها السفلي وبعض هذا العالم هو في الدائرة الباريسية الثانية، هنا حيث التجوال في شوارع خلفية تضجّ بحياة المهاجرين والقادمين من أصقاع الفقر والكبت إلى مدينة حلموا فيها بالرفاه والحرية..
لكن قريباً من هذا العالم السفلي الباريسي، وفي الدائرة العاشرة حيث تركنا مترو ريببليكا، ما زال بعضٌ من فخامة التأريخ يتنفس هناك؛ قصور ملكية وكنائس ومكتبات عريقة جرى التحول عنها إلى ما هو أحدث. 
في محطة الأوبرا تركنا المترو الذي كان قد انطلق بنا من محطة فرانكلين روزفلت في الشانزليزيه.. سألنا فالح عن مدى استعدادنا لتقبل فكرة التجول مشياً، لم نتردد في الموافقة مع أني توقفت منذ أشهر عن ممارسة رياضة المشي التي التزمت بها متأخراً بناء على أمر طبي، لقد حال طارئ صحي عن  مواصلتها خلال هذه الأيام. مع هذا، قلت لنفسي، باريس تستحق المغامرة، خصوصاً أن الوقت المتاح هو نهار واحد فقط في سفرة عمل لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيام.
لم يكن صعباً أن نتعرف على مبنى أوبرا باريس قبل أن يشير إليه فالح الذي عاش في المدينة منذ أكثر من سبعة وثلاثين عاماً ودرس ودرّس في جامعاتها. المدن الحية في عالمنا المعاصر هي من تسبق الزائرين بالتعريف بنفسها وبعوالمها ومعالمها، وباريس في القلب من ثقافة عصرنا وحداثته، إنها جزء حي من حياة المعرفة المعاصرة.
هذه الأوبرا التي أنشئت قبل أكثر من ثلاثة قرون، وكانت تعرف بأكاديمية الأوبرا وتنقلت بأماكن وقصور مختلفة حتى استقرت في مكانها الذي نحن أمامه هي مكان تمتزج فيه روح الفن بالتدرب عليه وبالمغامرة فيه، لكن لم يكن ممكناً لنا أن نغامر بمنحها الوقت كله، وقت نهار شتائي قصير وقد انفرط بعضه. كان أمامنا وليس بعيداً كثيراً عن مبنى الأوبرا مبنى آخر (الكوميدي فرانس)، ولك أن تتذكر أعظم أعمال ما خلّف المسرح الفرنسي من أثر على خشبة هذا المسرح العريق. لا يسمح الوقت؛ لم نقف كثيراً أمام المبنى الذي لا أدري لماذا ذكّرني بالكوميدي الفرنسي ديودوني ولم استذكر عنده مولير مثلاً. وديودوني كوميدي معاصر منعت عروضه العام الماضي في فرنسا في سابقة تتعارض مع تقديس الفرنسيين لحريات التعبير، وكان داعي المنع هو ما يقال عن هذا الكوميدي من مواقف معادية للسامية، حيث ينتقد إسرائيل والكولونيالية والتعصبات العرقية والدينية وجمهوره من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
جانب من اللوفر، واحدة من الجامعات التي لم أذكر اسمها، بناية القصر الملكي التي استؤجر بعض مرافقها من قبل أثرياء باريسيين وغير باريسيين ليتنعموا بمجرد ذكرى حياة ملوك وأباطرة فرنسيين كانوا قد مروا وعاشوا هنا.. 
لسنا ملوكاً. فلنغادر القصر من جانبه الآخر إلى حيث يفضي بنا إلى عالم آخر؛ عالم الأزقة والشوارع الأضيق، إنما بحياة ضاجة ومحال تجارية ومعروضات تحيل إلى عالم الفقر الذي لا تعرفه متاجر الشانزليزيه. أهي مفارقة أن يكون الفاصلَ بين عالمين قصر ملكي؟
كانت قد مرت ساعتان على هذا التجول الذي استقر بنا بمطعم هندي لطيف. كان فالح مهدي سخياً في كل شيء؛ لكنه كان الأكثر سخاءً بوقته معنا وبمعرفته التي يسبقها المحبة والحياء. في الطريق تحدثنا عن روايته (أصدقائي الكلاب) التي صدرت بالفرنسية قبل صدورها عربيةً، عن المدن والحياة والاغتراب والتجربة فيها وهي بعض مما دارت حواليه عوالم الرواية.، إنها عوالم المغترب العراقي الذي يمضي بنا في شوارع باريس وأزقتها فإذا به أكثر درايةً من الباريسيين بها.
وحين لاح لنا من بعيد تمثال مرتفع لفتاة، وكان يذكّر بتمثال الحرية على مشارف أمريكا، حيث كلا التمثالين لنحاتَين فرنسيَّين، قال لنا: تلك هي ساحة الجمهورية، هل تريدان رؤية استذكار الفرنسيين لضحاياهم في جريمة الإرهاب الأخيرة؟
في اليوم الذي وصلنا فيه باريس كانت السلطات تحت تأثير الحادث الإرهابي قد منعت التجمعات، كانت باريس تنتظر انعقاد واحد من أكبر المؤتمرات التي شهدتها وكان عن البيئة وتغيرات المناخ، فما كان من أنصار حماية البيئة إلا أن يستجيبوا ويتفهموا داعي حظر التجمعات ولكن لابد من ترك أثر في العاصمة فاختار بعضٌ منهم القيام بحركة تعبيرية واحدة لتأكيد موقفهم من أجل البيئة، هكذا جاءوا وترك كل منهم حذاءه في ساحة الجمهورية التي غطيت بمئات الأحذية في نهار انعقاد المؤتمر.
لكننا في ساحة الجمهورية في ختام ذلك النهار، وليس ثمة سوى باقات ورد وبعض شموع على قاعدة النصب وحواليها الكثير من شعارات وبوسترات وتعليقات تركها زائرون مروا خلال الأيام الماضية وما زال حوالي النصب الشهير بعض منهم.
لا أثر للجريمة التي ارتكبت في مكان قريب من الساحة، في الدائرة الحادية عشرة المتاخمة، بينما تعابير السلام والمشاركة والمحبة تغطي كل شيء.
عبرت لصديقيَّ عن رغبة حقيقية في أن أضع منشوراً بالعربية بين هذه المنشورات المكتوبة بالفرنسية وبالإنكليزية، لكن لا الظرف ولا الوقت كانا يسمحان بتنفيذ رغبة مشاركة وجدانية..
بعدما غادرنا الساحة، وقد تأخرنا بعض الوقت في محطة الساحة لتأخر القطار، فوجئت بما ترجمه لنا فالح عما كان يذاع من سماعة المحطة وهي تعتذر عن التأخر لإيقاف حركة القطارات بفعل شك في كيس مجهول تركه صاحبه فأربك الحركة والأمان.
لم أكتب شيئاً، وربما تألمت لذلك لكن ما خفف من مشاعر الألم هو ما عرفته بعد حين عندما اطلعت على أن اليوم الأول لتجمهر الفرنسيين في الساحة لإدانة الجريمة شهد حضور عربي مغترب من سورية وقد هتف بين المتضامنين معرباً عن موقف مليارات المسلمين: «أنا مسلم ولست إرهابياً».