اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية
 انعام كججي : الكتابة هي حيلتي الوحيدة لمواجهة الخراب

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
رولا حسن
 قيل الكثير عن طلاق من نوع خاص بين المرأة والفلسفة وهذا الطلاق لم يحصل إلا في أعقاب زواج عقيم في مطلق الأحوال بدليل أن الجنس "الثاني" لم ينجب على مدى الأزمان سقراطا أو ابن رشد واحدا بالمؤنث، بل ولا حتى فيلسوفة واحدة من درجات أدنى ولان كان ثمة إجماع شبه مطلق على استحالة التواصل بين المرأة والفلسفة فإن الحجج التي  تساق لتعليل ذلك تتباين بالمقابل تباينا كبيرا.
بعضهم  يزعم أن الفلسفة ما هي إلا شقيقة التأريخ وبما أن المرأة لا تصنع التأريخ بل تتحمله فقط، فمن الطبيعي ألا يكون لها موطئ قدم في عالم الفلسفة، والبعض الآخر يدعي أن اهتمامات المرأة بما فيها الذهنية تبقى محصورة بما هو عيني وتعجز عن تخطيه لذلك يتعذر عليها الارتقاء إلى قمة التجريد التي تمثلها الفلسفة ناهيك عن الذين يعلنون ودون أي خجل أن عقل المرأة أقل من يستوعب الفلسفة ويحلق في دنياها.
لكن الباحثة الفرنسية ريجين بيترا دحضت كل ذلك في كتابها "النساء الفيلسوفات في العصور القديمة الإغريقية – الرومانية" ترجمة هنريت عبودي فقد أحصت ما لا يقل عن خمسين فيلسوفة ذاع صيتهن بين كبار مفكري عصورهن وجاء ذكر أسمائهن وأعمالهن في مؤلفات فلسفية شتى و كان نتاجهن في أغلبيته قد فقد ولم يصل إلينا فلأنه كان أول ما يستهدف عند حرق المكتبات والقضاء على محتوياتها. وقد مارس بعضهن التعليم وأسند إليهن كرسي الفلسفة على غرار جوليا دومنا أوهيباتا في الإسكندرية وتزعم بعضهن مدارس فلسفية كبرى بعد وفاة مؤسسها على غرار ثيانو التي ترأست المدرسة الفيثاغورثية. كما قيض لبعضهن أن يضلعن بدور الملهمة أو الموجهة لفلاسفة عظام شأن اسباريا مع سقراط وقد دللن جميعهن عن شغف بالمعرفة وعن سعة الإطلاع وعن انفتاح العقل وعن إرادة صلبة في التغلب على الصعوبات وفي مقدمتها العقلية السائدة التي لم تكن تعترف بدور للمرأة خارج إطار أعمال المنزل.
ومهما يكن من أمر فإن الشيء المؤكد هو أن المدرسة  الفيثاغورثية وهي أقدم المدارس الفلسفية في العصور القديمة  قد ضمت في صفوفها عددا كبيرا من النساء ولعل أشهرهن على الإطلاق زوجة فيثاغورث ثيانو التي أشاد بها فرفوريوس وأثنى ديدامس على مؤلفاتها الفلسفية وقد أورثت بناتها الثلاث شغفها بالمعرفة والفلسفة فجعلت منهن عالمات ذاع صيتهن كشاعرات وفيلسوفات.
وإلى المدرسة ذاتها تنتمي طيميشيا التي شهد لها التأريخ بالشجاعة الفائقة. فالمذهب الفيثاغورثي كان باطنيا وكان على أتباعه بالتالي ألا يبوحوا بأسراره وقد رغب طاغية سراقوصة, دينيسيوس, أن يكشف عن كنه هذا المذهب فأمر طيميشيا بأن تطلعه عليه فكان جوابها أن عضت على لسانها بقوة فقطعته ولفظته في وجه الطاغية "الحشري".
وان كان أفلاطون قد أخذ الكثير عن فيثاغورث فإنه لم يأخذ عنه حبه للنساء وتقديرا لطاقاتهن العقلية فقد استبعدهن من حلقاته، ما اضطر لاسيتينيا الشغوفة بالفلسفة والمتطلعة إلى التحليق في أجوائها إلى التنكر في زي رجل للإنضمام إلى تلامذة أفلاطون والإصغاء إلى أقوال المعلم وآرائه.
المدرسة الأبيقورية ضمنت بدورها عددا من النساء وفي طليعتهن ليونتيوم عشيقة أبيقور التي واظبت على ترويج أفكاره حتى بعد وفاته وقد تولت في رسالة فلسفية دحض أراء ثيوفراطس وهو وحد من أخر تلامذة أرسطو وقد استحقت على ذلك انتقاد بلينوس الذي اعتبر بتصديها لمفكر عرف ببلاغته وسعة اطلاعه "قد اختارت شجرة لتشنق نفسها عليها" في حين مدح شيشرون رسالتها وأشاد بإسلوبها الرشيق والمقتضب.
وحب الفلسفة هو الذي جعل هيارشيا سليلة أسرة غنية وعريقة من تراقيا تقع في عشق إطراقس رائد المدرسة الكلبية بالرغم من وجهه القبيح وجسده المشوه وتزوجته وشاركته حياة الزهد والتقشف التي كان ينادي بها الكلبيون، بل عمدت إلى تطبيق مبادئ مذهبه بجدية مطلقة ضاربة عرض الحائط بالإعتبارات الإجتماعية كافة. فالكلبيون على سبيل المثال كانوا يدعون إلى التقرب من الطبيعة وإلى رفض كل ما هو زيف ورياء وبما أن الرغبة الجنسية شيء طبيعي كما الأكل والشرب، فلم يكن في اشباعها بحسب منظورهم ما يخجل وانطلاقا من هذا المبدأ كانت هيبارشيا تضاجع إقراطس في الساحات العامة على مرأى الناس غير مبالية بوجودهم.
وتبقى هيباثيا الفيلسوفة الأفلاطونية المحدثة أبرز بنات جنسها المتعاطيات مع الفلسفة وقد أسند إليها حوالي العام  391كرسي الفلسفة في الإسكندرية وكان طلبة العلم يأتون إليها من كل صوب للإصغاء إلى شروحها لأعمال أفلاطون وأرسطو وسواهما من كبار الفلاسفة. كانت هيباثيا ابنة عالم الرياضيات ثيون وقد ورثت عن والدها حب هذا العلم فكرست له ثلاث رسائل وطدت لها دعائم شهرتها قبل أن تصب اهتمامها كله على الفلسفة وقد نقم عليها اسقف الإسكندرية كيريلوس لتعارض تعاليمها مع الدين المسيحي فحرض عليها جماعة من المتعصبين بادروا إلى مهاجمة عربتها فيما كانت تعبر شوارع الإسكندرية واقتادوها إلى أحد الكنائس حيث نزعت عنها ملابسها ورجمت حتى الموت ثم سحلت جثتها في طرقات المدينة قبل أن تحرق ويذر رمادها هذه النهاية المفجعة حدثت في العام 415. وقبل قرنين من هذا التأريخ كانت مشرقية أخرى حمصية الأصل قد اسهمت في إغناء الحركة الفلسفية ولعبت دورا لا يستهان به في هذا المضمار إنها جوليا دومنا المرأة التي دخلت التأريخ بصفتها زوجة الإمبرطور الروماني الليبي المولد سبتيموس  ساويروس ووالدة الإمبرطور كركلا.
ولدت جوليا دومنا في حمص في منتصف القرن الثاني الميلادي وكانت ابنة لباسينوس كبير آلهة معبد الشمس وكانت خارقة الجمال والذكاء وقد جمعت ممن حولها في بلاط سبتيموس ساويروس الذي كان يشاركها حبها للفلسفة كبار مفكري عصرها وهي التي حثت فيلوستراطس الذي كان يطلق عليه لقب "الفيلسوف"على كتابة" حياة ابولونيوس الطواني "الفيلسوف الفيثاغورثي الجديد الذي عاش في بداية العصر الميلادي والذي جمع بين الحكمة والسحر والفلسفة وقضى حياته متقشفا زاهدا يوزع ما يملكه على الفقراء وقد عرفت جوليا دومنا المجد والعظمة وتجرعت كأس المرارة حتى الثمالة فبعد وفاة زوجها أقدم ابنها البكر كركلا على خنق ابنها الأصغر جيتا بين ذراعيها وعندما اغتيل كركلا في العام  217 انتحرت بأن امتنعت عن الطعام. ويظهر جليا من الأمثلة السابقة عن فيلسوفات العصور القديمة أن اقتحام المرأة دائرة الفلسفة كان مرهونا بعوامل تتعلق بالحب والنسب فإما أن يكون الأب فيلسوفا وإما أن يكون الزوج عظيم الشأن ومحبا للفلسفة وليس في ذلك ما يدعو للإستغراب فحتى ترتقي إلى عالم الفلسفة وتبدع في مضمارها يتعين عليها أن تكون مثقفة وأن تطلق لها حرية معاشرة الفلاسفة وليس الفلاح الجاهل أو الحرفي الضيق الأفق أو التاجر الذي لا يهمه سوى جمع المال هو من سيسمح لإبنته أو لزوجته أن تتفرغ للعلم ويؤمن لها سبل هذا التفرغ، ناهيك عن توفير الأجواء الفكرية الكفيلة بشحذ ذهنها وكثيرا ما قيل عن فيلسوفات تلك العصور بهدف النيل من عطائهن أنهن تأثرن بأراء وأفكار العباقرة الذكور ونهلن من معينها وهذه تهمة لا تزال توجه إلى فيلسوفات العصر الحديث، فعن حنة أرندت على سبيل المثال يقال أنها تأثرت بفكر هايدغر الذي أحبت وعن سيمون دي بوفوار أنها أخذت الكثير عن رفيق عمرها جان بول سارتر وكأن هذا الأخير لم يأخذ الكثير عن هوسرل أو كيركيغاد أو لكأن الفلاسفة قاطبة لم يتأثروا ببعضهم بعضا.