اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية
 انعام كججي : الكتابة هي حيلتي الوحيدة لمواجهة الخراب

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
محمد حياوي
 كما لو كان مشهداً سحرياً آسراً مُستّلاً من رواياته العجيبة كان حدث وصول الكاتب الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز إلى مسقط رأسه مدينة أراكاتاكا، مُزيلاً مائة عام وأكثر من العزلة عن المنطقة شبه المعزولة، تلك المدينة التي استلها برشاقة فادحة من الواقع المرير إلى الخيال المُطلق،
فأحب سكانها صورتهم في الخيال لدرجة إنهم قرروا تغيير اسمها من أركاتاكا إلى ماكوندو وأجروا تصويتاً جماهيرياً من أجل ذلك، وعلى الرغم من أن الإستفتاء لم يعتمد رسمياً إلا إن الجميع صار يَطلق عليها ماكوندو، حتى إن اللافتات التي تشير إلى مدينة أركاتاكا- ماكوندو تُشاهد على طول الطريق الساحلي بين سانتا مارتا وأركاتاكا، أو ماكوندو حالياً.    
العودة الأولى
كان القطار محملاً بعشرات الموسيقيين والمغنيين وعدد كبير من أصدقاء الكاتب وأقاربه وعدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، يتوسطهم غابريل غاريسيا ماركيز، أو غابو كما يحلو للكولومبيين أن يطلقوا عليه تحبباً.
إنَّها العودة الأولى للأديب الكولومبي حامل جائزة نوبل إلى مسقط رأسه بعد ربع قرن من الزمان، لتكون منطلقه الجديد لتحقيق آمال بلده كولومبيا وأحلام مواطنيه الذين يأملون أن تساعدهم تلك الزيارة في تسليط الضوء على مدينتهم ووضعها على الخارطة السياحية، سيما أن الحكومة المحلية تنوي تحويل رحلة القطار العجيبة هذه إلى تقليد سياحي يحمل الحجيج والسواح الباحثين عن التقاليد الكولومبية العريقة والثقافات الشعبية إلى موطن قصص ماركيز الأولى ومهد آماله المتبرعمة آنذاك، بعد أن صرفت الحكومة المركزية أكثر من نصف مليون دولار لتجديد منزل آل ماركيز وتحويله إلى متحف يحوي الكثير من أدوات الكاتب الأولى ومخطوطاته وكتبه القديمة.
وعلى طريقة سكان أميركا اللاتينية في التعبير عن مشاعرهم وفرحهم بصخب ملوّن وفوضى موسيقية متداخلة. كان ماركيز خلال تلك الرحلة العجيبة مطارداً من المعجبين الباحثين عن توقيعه على نسخهم الخاصّة من كتبه أو التقاط صورة معه، بينما يتنقل من عربة إلى أخرى مرحباً بمرافقيه في الرحلة، ويلوّح بين الفينة والأخرى للأطفال الحُفاة الذين يتراكضون عبر النافذة محاولين اللحاق بالقطار وهم يحملون لافتات موشاة برمز الفراشات الصفر ترحيباً بباني بيوتهم ومدارسهم وهم يشرأبون برقابهم الطويلة علّهم يلمحونه في عربة ما، بينما انتشر العشرات من ضباط الشرطة محاولين إبعاد الجماهير عن القطار. "أنظرو إلى هذا.. ويقولون أنني أخترع ماكوندو، أنني أخترع الواقعية السحرية حسب" يهتف ماركيز وهو ينظر من النافذة، فيرد جايمي أبيلو، أحد أصدقاء الكاتب ومرافقيه في الرحلة، 
"إنه عالم ملوّن في قطار قديم." 
مائة عام من العزلة، أفضل أعمال الكاتب المشهورة تدور أحداثها في ماكوندو، أو أركاتاكا في الواقع، حيث سقوف البيوت من الصفيح والثلوج الى تغطي قمم الجبال البعيدة، تلك المدينة الموغلة في الواقعية السحرية التي أظهرها ماركيز نهباً لأمطار لا تنتهي وأنتشار وباء الأرق الذي يفتك بسكانها، هي التي أدخلت العالم الى الواقعية السحرية. "أن تتمكن من وصف أشياء عادية تحدث يومياً بطريقة سحرية فذّة وبأسلوب أدبي تحتذي به أجيال من كتّاب أميركا اللاتينية، لهي واقعية موغلة في السحر"، يقول جايمي أبيلو، لكنه نادراً ما يُضاهى.
كان ماركيز معروفاً في كولومبيا كصحفي حوادث مدّة طويلة، قبل أن ينشر أولى أعماله الأدبية ويحظى بشهرة منقطعة النظير في بلده ومن ثم في العالم كله بعد فوزه بجائزة نوبل في العام 1983، وهو يتمتع بحب الجماهير في اميركا اللاتينية أينما حل، كما يحظى بثقة وتقدير الجماعات اليسارية المنتشرة في القارة فضلا عن كونه الصديق الشخصي للزعيم الكوبي الأسطوري فيدل كاسترو، ونظراً لاحترام الحكومة الكولومبية له ولجهة كونه يساريا سابقا قبل أن يتحول إلى أرستقراطي رث، كما يقول عن نفسه، فإنه في الواقع كان وسيطاً موثوقاً بين الحكومة والمجموعات اليسارية التي خاضت حرب عصابات مريرة ودموية ضدها.
لقد جال ماركيز الذي اعتاد زيارة بلده لأسبوعين أو ثلاثة في العام مع زوجته مرسيدس، في المنزل الذي قضى فيه طفولته وتلقى فيه أوّل الخيالات على يدي جده وجدته، قبل أن ينتقل إلى أسواق المدينة الواقعة بالقرب من الساحل الشمالي لكولومبيا على مرمى رحلة قصيرة بالقطار الشعبي الموّشّى بالفراشات الصفر رمز أركاتاكا- ماكوندو، يطلق عليها الناس هناك (ماكوندوأكسبريس) وهي بدايةً حملة سياحية كبيرة تمتد من مدينة سانتامارتا الساحلية حتى أركاتاكا- ماكوندو، أو طريق ماكوندو كما صارت تعرف الآن. 
لقد كانت تلك الرحلة التأريخية، لا سيما بعد رحيل الكاتب الشهير، أنطلاقة الأمل بالنسبة لسكان المدينة الكولومبية الصغيرة، التي تحوّلت إلى قبلة للجذب السياحي الواعد ليعم الخير على المنطقة كُلّها، حتى أن بعض الحكام المحليين صار يطالب بإضافة اسم ماركيز على الاسم المركّب للمنطقة ليصبح "أركاتاكا ـ ماكوندو ـ ماركيز".