اقرأ في هذا العدد
 
 




افكار
 
باتريك زوسكند
باتريك زوسكند
كاظم حسوني
 يكاد القارئ لا يصدق كينونة بطل رواية (العطر) للروائي الألماني (باتريك زوسكند) التي ما انفكت منذ صدورها قبل أعوام تثير الجدل، ولا نملك الا ان نواجهها بالشك والاستغراب، وفي الوقت ذاته لا نستطيع ان نمنع أنفسنا بعدم التصديق، أو ربما كراهية هذا الشاذ (غرونوي)، هذه الشخصية التي اثارت لغطاً واسعاً لكنها مع كل ما قيل بشأنها من تأويلات، تبدو في نهاية المطاف حقيقة حية! ابتدعها الكاتب من خلق خياله، تظهر للقارىء بوجوه عدة،  فتبدو مسلية، أو شريرة، أو مشوهة وقاتلة، ولكن لا مفر لنا من القول من انها شخصية مثيرة حقاً نتطلع إليها برهبة ومتعة، أو مقت، ولا نشك بوجودها، أو بحيويتها أبدا لما لها من قدرة في اجتذابنا واغوائنا لملاحقتها حتى النهاية، بفضول كبير لا يمكن انكاره، وهذا في اعتقادي هو الإبداع، ومثلما للكاتب سبل مختلفة وطرائف متباينة في المعالجة والتكنيك الفني، لـ (باتريك زوسكند) اسلوبه المتفرد  في روايته (العطر) المتمثل بالحبكة البوليسية المعمارية المتقنة التي احكم الروائي بناءها، إلى جانب عناصر فنية أخرى اكملت رسم الصورة الحية لبطلها ولبقية الشخوص، إذ يلحظ القارئ مدى عناية المؤلف بتتبع البنية النفسية والتكوين السيكولوجي للبطل، وظلال البيئة الخاصة التي نشأ فيها وتأثيرها في سلوكه الشاذ، بممارسة القتل، وغواية الآخرين، في بعثه للروائح الأكثر سحراً واجتذاباً للناس، والتقاط انفه العظيم لها عبر المسافات البعيدة إلى الحد الذي تماهت حواسه الأخرى في حاسة شمه البارعة أو (ذاكرة الشم) لديه والتي تحولت إلى سلاح لاصطياد ضحاياه، واستدراجهم بشذى عطوره الساحرة، كونه الصانع الماهر لأرقى العطور وأكثرها ابهاراً للآخرين، بغية ايقاعهم في شراكه، والتحكم في مصائرهم، ولا يملك القارئ بعد الفراغ من قراءة الرواية وقد امتلأ متعة ودهشة بهذا العمل الخلاق، والمحير إلى حد بعيد بغرابة التجربة وعمقها وبراعة كاتبها،  وازاء هكذا أعمال كبيرة، أقول هل نحن بانتظار كاتب يتمتع بهذه المزايا وخصوبة الخيال؟