اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
كلب نائم
كلب نائم
أزهر جرجيس
 بالأمس كنت عائداً من العمل، مثقلاً بالهمّ والغم. وفي الطريق رأيت كلباً نائماً تحت ظل شجرة. رفسته برجلي. استيقظ. هجم عليّ فطرحني أرضاً. اعتلى صدري. أمسك بياقتي. قال والشرر يتطاير من عينيه: (متعافي إنتَ متعافي؟!) قلت لا. قال: (وجعاا، لعد شبيك تدفّر؟!). أمسكت برجله، توسّلته أن يطلق ياقتي. قلت أرجوك ابتعد وسأحكي لك ما بي شرط أن تعطيني الأمان. هداه الحظ فاستجاب لطلبي. حرّرني وضرب على صدري ضربة انتصار خفيفة كما يفعل الشقاوة حين يصفح عن الضحيّة، ثم قال هات ما عندك.. نوّرنا.
قلت: يا كلبُ، أنا مهاجرٌ كما ترى، لكنّي ابن خير، كنت ذات يوم أعيش في بيت كبير. هو بيت جدّي لأبي. كان بيتاً عامراً له إيوان شاهق ومضافة طويلة. كانت الزخارف الكوفيّة تطرّز الجدران والأبواب، والكاشان مبذولاً في الحجرات تحت أقدامنا. كان للبيت سطح، وعلى السطح تنّور طيني توجره أمّي خمس مرّات في اليوم، بعدد صلوات أبي. وكان قرب التنور قنّ فيه عشرون دجاجة وديك صيّاح. أما طيور الحمام فكانت بلا عدد، تقف على شرفة السطح، تأكل وتذرق. تطير متى تشاء وتحطّ متى تشاء. كان ماء الدار حلواً، وشمسها دافئة، نستظلّ منها تحت فيّ نخلة شاهقة كنّا نطلق عليها لقب “العيطة” كناية عن طولها. 
قاطعني الكلب: اوجزْ. قلت حسناً سوف لن أطيل عليك الحكاية. ذات يوم كنت نائماً تحت ظل “العيطة” وإذا بي أرى في المنام دودةً تزحف نحوي. كانت تكنّي نفسها بـ “أم الهوا”. قالت بأنّ بيت جدّي خانق وحياتي بحاجة الى هواء، فاخترقت جسدي من مكان ما بغية أن تضخّ المزيد من الأوكسجين الى قلبي. استيقظت مرعوباً، هرولت الى السطح، كسرت تنّور أمي، نششت الحمامات من الشرفة وفتحت قنّ الدجاجات فتطافرن على سطوح الجيران. لا أدري ما الذي فعلتْه بي أم الهوا حين اخترقت جسدي من ذلك المكان الحسّاس، لكنّي شعرت حينها بطاقة هائلة للتدمير ورغبة كبيرة في التكسير، فكان آخر ما فعلتُه يومها أن حرقت نخلتنا “العيطة”. أضرمت النار فيها وهربت خوفاً من بطش أبي. لقد رأيت الدخان يتصاعد من الدار وأنا أركض باتجاه الجسر الخشبي الوحيد في القرية طمعاً في النجاة.
تأثّر الكلب لحكايتي وقال: (وبعدين شصار؟) قلت: لا شيء، كما ترى، لا زلت حيّاً، لكنّ لوني صار شاحباً من الغم والسهر. قال: ومالي بلونك أنا؟! أخبرني، لمَ رفستني؟! قلت: عندما رأيتك يا عزيزي تنام بسكينة تحت ظل شجرة طويلة خفت أن تخترق جسدك أم الهوا  فيصعد الأوكسجين في عروقك وتحرق بيت أهلك.. والآن دعني أذهب، أرجوك.
ـ هيّا اذهب ولا تكرّرها مرة أخرى، قال الكلب.