اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
على خطى هدايت رحلة الى جنائن أصفهان
على خطى هدايت رحلة الى جنائن أصفهان
رئيم العامري
 جاء قراري بالسفر إلى أصفهان إثر قراءتي لكتاب (صادق هدايت) المعنون (أصفهان نصف الدنيا) والذي ترجمه الشاعر (أحمد حيدري)، وكنتُ ممّن قرأوه قبل طبعه، لذا فإنّ الأمر منذ بدايته كان أشبه بمغامرة.
ومثل (هدايت)، فقد أخذتُ إجازة عمل قصيرة وخططتُ لتكون رحلتي أيضاً “صغيرة الحجم”.
بعد سبعين دقيقة طيران من النجف إلى أصفهان، كان السائق بالانتظار كي يقلنا إلى منطقة (الزينبية)، التي ضمّت مرقداً للسيدة زينب بنت موسى بن جعفر(ع)، حيث سنقيم بالجوار. ومثل بقية السائحين العرب في ايران، آثرنا استئجار شقة علويّة لمنزل تملكه عائلة مُسفّرين تقيم هناك منذ السبعينات. وصلنا متأخرين ففضّلنا الراحة. وبرغم كون الفصل لايزال صيفاً حيث أقلعنا، فقد كانت الشقة باردة وكان علينا أن نستعين بالمدفأة.
توجّهنا صباحاً الى (منار جُنبان)، أو المئذنة المتحركة، وهو بناءٌ من مئذنتين أقيم على قبر رجل صالح يدعى، كما كتب على شاهدته (عمو عبد الله كارلاداني). 
يقول المشرف على الصرح أنّ المئذنتين فوق القبر صُمّمتا بحيث إذا هُزّت إحداهما فإنّ الأخرى تبعا لذلك ستهتز اهتزازا خفيفاً يمكن الإحساس به من خلال أصوات نواقيس عُلّقت في أعلاها.
من بعد إلى (حديقة الطيور) كما اقترح دليلنا، وللوصول اليها كان علينا أن نسلك الممرات الضيقة بين الأسوار القديمة المشيدة من الطين واللّبِن، داخل بساتين الفاكهة التي تُعرف بها المدينة. نمضي الآن بين أشجار الجوز والكمّثرى التي تتشابك أفرعها فوقنا، ثمّة في البعد تلوح أشجار الخوخ والرمّان. أمامنا سيتفرعُ الطريق بسبب وجود شجرة تعلو وحيدة في منتصف الدربِ ببسالة. على الجانبِ تمتّد قناة عتيقة لتصريف مياه الأمطار وقد امتلأت بأوراق الأشجار الحمر والذهبية. وعلى الجانب الآخر مزارعٌ مسنٌ يضع أمامه صناديق الفاكهة المجففة، والتي سأشتري منها مشمشاً وتوتاً مجفّفين. 
وصلنا الهدف، وترجّلنا تاركين السائق لينام داخل عربته، هذا ما سيفعله طوال الرحلة، يقول مبتسماً أنّه رأى أصفهان ألف مرة بسبب عمله هذا. يا للمرارة!
 بعد أن ابتعت التذكرة مشيتُ قليلاً لأجد أنّ الكثير من الطيور ليست في أقفاصها، فها هو الطاووس الأبيض يمشي الى جانبي وعلى الأشجار طيورٌ غريدة، الحديقة مغطاة بشبكة ترتفع أعلى من الأشجار لتمنع الطيور من الفرار. تمتّد ممرات مرصوفة بالصخور تصل بك الى كلّ الزوايا. في قفصٍ واسع يمدّ (العُقاب) جناحيهِ الكبيرين، وفي آخر مصنوعٍ من الزجاج تبدو مجموعة من طيور الحب الصغيرة بألوانها العجب، وهي تضّج  وتتقافز. تتابعني بنظراتها النعامة، تلفّ عنقها الطويل تجاهي حتى أختفي تماماً من ناظريها. يالذكاء مصممّ مسكن (اللقالق)، فقد أراد للزائر أن يرى بيتاً اصفهانياً قديماً، هنالك سورٌ من الطين الأحمر يصل ارتفاعه الى الساق، بابٌ خشبيُ قديم مواربٌ لا يمنع الطيور من الخروج والتجول بين المارة. أكملنا جولتنا، البطونُ خاوية، الدليل يشير علينا بتذوّق (البرياني الأصفهاني)، وهي وجبة من اللحم المفروم يُقدمّ على رغيف ساخن، مغطى بحبات الرمان، مع لبن رائب بالنعناع وسلة من أوراق الخضار التي تفوّح منها رائحة الريحان. لكن بلا أثر لرزّ كما يتوقع من ينتظر البرياني في العادة.
بعدها كانت وجهتنا حديقة الزهور. اوقف السائق سيارة السايبا البيضاء في المرآب، كل السيارات هنا تصنعها الشركة ذاتها، وغالباً باللون ذاته، والسائق يستدل على سيارته من بين توائمها بواسطة صوت إنذار مفاتيحها أو بواسطة عبارة تميزها مكتوبة على الزجاجة الخلفية، كان مكتوباً على عربتنا (يا ابا الفضل). 
ابتعتُ تذكرة وعبرتُ البوابة، ألقيتُ نظرة على الخريطة التي تشرح تفاصيل المكان، الحديقة مقسمة الى جنائن بأرقام، الرقم (13) مثلاً يشير الى الحديقة اليابانية، وهي مصممة على الطراز الياباني، غدير صغير تخرج من مائه قصبات، تعبر فوقه قنطرة خشبية صغيرة. في مكان آخر هناك جُنينة الصبّار، وهي تشبه صحراء صغيرة تنمو فيها صبّارات مختلفة الأشكال والأحجام، منها الكروية، الزاحفة، والمتسلقة. تذكّر بأفلام الغرب الأمريكية. 
تخرج منها لتدلك على حديقة (الروز) رائحة زكية، حيث يمتدّ بساطٌ من الجوريّ الأحمر، والورد الأصفر والأبيض والزهري. في طريقك ستمرّ حتماً ببحيرة طويلة، تلتمع تحت سطح مائِها أسماكٌ فقست للتو، وأمّهات تبحث عن طعام.
الأشجار المزروعة مختلفة، منها دائمة الخضرة ومنها التي اتقدت بحمرة الخريف. أكملنا التجوال في الحديقة لنعود الى المهجع، ماريّن بأجمل معالم أصفهان، جسر (سي وسه) الذي يعني بالفارسية الرقم (33)، في إشارة إلى عدد أقواسه. وهو جسر حجري  ذو معبرين علوي وسفلي لعبور المشاة فقط، مقام فوق نهر يدعى (زاينده روز)، الذي كان يوم زرناه جافاً، إلا إنّه سرعان ما سيمتلئ، فموسم الأمطار قادم. على المعبر العلوي الأقواس التي يستريح المارة تحت ظلالها، هذه أصفهانية حسناء تتمشّى واضعةً بالكاد غطاء على شعرها، فيما أزهرت شفتاها بالأحمر القاني، وهذا فتى مستغرق في قراءة كتاب. كلّهم هنا هادئون ساكنون. المعبر السفلي مكونٌ من غرف صُنعت لاستراحة المسافرين، تتصل ببعضها بممرات. على جانبي النهر تمتّد الخضرة، وجبال بعيدة خلفها ستختفي الشمس بعد قليل، لذا توجّب علينا العودة.
الى (جهلستون) كانت وجهتنا التالية، وهو قصرٌ يقع في بستان كبيرة، تسوّره الأشجار العالية. ويعني اسمه الأربعين عموداً، لكنّي  لم أرَ في إيوان القصر غير عشرين عموداً أحمر من خشب الرمّان، عرفتُ فيما بعد أنّ خدعة هندسية تجعل الأعمدة تنعكس على سطح الماء، ليتضاعف عددها. ندخل فيما حشدٌ من التلاميذ يخرجون، كانوا  يحيوننا ويتقافزون جذلاً خلف معلمتهم. 
ظهيرة اليوم التالي، ومن نافذة الطائرة المتوجّهة إلى الأهواز، كنتُ أنظر لقمّة الجبل الذي صار يختفي تدريجيّا تحت الغيوم، وأنا أمنّي نفسي بإحراق النار على قمّته، بعودة قريبة.