اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
نمونات
نمونات
عمار السواد
 استأجرت سيارته بطريقة غريبة، وكان شخصاً غريباً، ينطبق عليه بالفعل ما يصطلح عليه باللهجة العراقية «شعّار». كان الاختناق المروري بأوجه، لم استأجره وأنا على الرصيف، بل أثناء عبوري الشارع الذي تجمدت فيه السيارات، الكل سمع حديثنا، حاورني على «الأجرة» كأنه في مزاد علني، حتى سمع الكل وتدخل بعضهم في اقتراح الأجرة المناسبة. المهم أننا اتفقنا، وانفك عنا الزحام. سار في الطريق السريع بسرعة، لكنه بدل أن ينزل نحو الباب الشرقي ذهب إلى النهضة، وكنت أخبرته أن الطريق خاطئة، فلم يسمع لكنه حين تورط قال:
ـ ليش ما لحيت علي.
ـ هو انت قافل شلح عليك، قلت، حتى لو تريد تدعم بحايط ما اكدر اوكفك. 
كنا في زحام آخر، فقطع الحديث معي والتفت الى تكسي آخر توقف عند الرصيف لإنزال راكبة معه:
ـ شلونها الحمولة اليوم.
ـ رجال مو مرة، بس والله عليها دكه. 
ـ اي هم زين، الدكه «الوشم» تسوا! 
حديثهم كان عن امرأة كبيرة، ملامحها المجهدة وجسدها النحيل وعباءتها البالية تكفي ألا يفكر بها انسان بهذه الطريقة. استفزني الوضع، فاستنكرت الفعل... ليرد بسخرية:
ـ ما نكول لا، اللي يجي من الله حياه الله!
وهو يحدثني نظرت الى وجهه، شاب في الثلاثينات، شعره ليس مسرحاً بالجل، انما هو عبارة عن علبة «جل» كاملة. 
بعد قليل وفي اختناق مروري آخر، جانبتنا سيارة أجرة أخرى. صاحبها رجل عجوز، السيارة من نوع «سايبا» فلم يسكت:
ـ حجي تبيع؟
ـ ما تشوفها شلونها، چنها تنكه.. شلك بيها؟
ـ انا جناي سايبات
ـ اذا جناي سايبات ليش راكب كيّا، بيعها واشتري اثنين سايبات، هاي التنكة ما تفيدك.
....
التفت علي
ـ احب السايبات
ـ انت كلشي تحب، المهم شوف طريقك لا تغلط مرة ثانية بالطريق.
وفي آخر زحام مروري في نفق الطيران المتجه الى ساحة التحرير جاورتنا سيارة أجرة أخرى التفت الى الراكب:
ـ من يا عمام؟
ـ من الـ...
ـ محافظات؟ 
ـ اي من ... 
ـ شتسوي ببغداد
ـ عندي مراجعة...
حديث طويل، تحدثا فيه هو وسائق السيارة الأخرى والراكب عن أشياء كثيرة، عن سعر الطماطم في تلك المحافظة وعن الكهرباء وعن تعدد الزوجات ومحاربة داعش والسادة والعشائر... حتى فتح السير، ففتح «الراديو» على قناة دينية تبث القرآن ثم محاضرة دينية، وهو خاشع خشوع الأتقياء. التفت إلي بعدها فوجدني منشغلاً بالموبايل، فسأل عن سعره ونوعه... حتى جاءني اتصال طويل، انقذني.
طلبت منه ان ينزلني قبل الوصول إلى مكان عملي. كنت بحاجة إلى أي شيء يدفعني لمغادرة السيارة، هارباً... هارباً بعيداً جداً.