اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
المقتضيات
المقتضيات
حسن العاني
 في وقت مبكر من حياة البشرية، وظهور «الأشكال» الأولى للحكومة، وُلِدتْ فكرة الجماعة، والعمل على خدمتها وتحقيق مصلحتها، وهو ما تطور مع الزمن الى مفهوم المصلحة العامة، كما يطلق عليه اليوم، ولكن واقع الحال يشير الى ان هذا المفهوم، سواء وُجدَ عبر عمليات التطور الادارية، أم تم ابتكاره كأي مخترع، فان الهدف الحقيقي من ورائه، هو خدمة السلطة أو زعيمها، والحفاظ على صوت واحد يزيح الأصوات الأخرى، الحليفة منها والمعارِضة، تحت ذريعة «المصلحة العامة»، ولا خلاف على أن هذا التعبير أو الابتكار، يعبّرُ عن أعلى مستويات الذكاء والدهاء، ذلك لأن هذه الذريعة تبدو غير عدائية، وتتمتع بقدر كبير من الدبلوماسية والشفافية، وتحقق أهدافها من غير ضجيج ولا شُبُهات وبصورة غير مباشرة!!
من البديهيات المعروفة لدينا اليوم، إنه منذ قيام الدولة العراقية الحديثة قبل تسعة عقود تقريباً، وصدور أولى القوانين والتشريعات التي تُنظم الحياة، ظهر إلى الوجود مصطلح، ظاهره إداري وباطنه سياسي في الغالب الأعم، اسمه (المصلحة العامة)، ويلاحظ من غير مصاعب تذكر، إنه قد تم التعاطي معه بافراط – وكأنه الحل السحري- من قبل الحكومات المتعاقبة جميعها، بغض النظر عن كونها حكومات يمينية أو يسارية أو وطنية أو عميلة، وبغض النظر عن كونها وصلت الى السلطة عبر إنقلاب أو ثورة أو مؤامرة أو ظهر دبابة.. فعلى الدوام بامكانها استعمال سلاحها الحارق الخارق، ويتلخص بجملة باتت أشهر من لبن أربيل، وهي (بناء على مقتضيات المصلحة العامة)، إذا ما أرادت إقالة وزير، أو إعلان حظر التجوال، أو منع تظاهرة سلمية أو الانتقام من المعارضة او اعتقال السافرات أو تعطيل الدستور أو الغاء البطاقة التموينية، أو إسناد المناصب التالية وكالة (وزارة الدفاع، وزارة الداخلية، وزارة الجندرمة، مدير الأمن العام، دائرة المخابرات، مديرية الاستخبارات العسكرية، الجيش الشعبي، قوات حفظ السلام)، الى رئيس الوزراء وذلك بناء على المرحلة الدقيقة التي تمر بها الأمة، وما تقتضيه المصلحة العامة!!
كنا – أعني نحن المواطنين البسطاء- ننظر الى هذه المقتضيات بنيّةٍ حسنةٍ وقلب سليم، لقناعتنا الموروثة منذ خمسة عشر قرناً، بأن الحكومة هي ولية أمرنا، وتعرف مصالحنا وما يضرنا وما ينفعنا أكثر مما نعرف، ولهذا كنا – أعني نحن المواطنين البسطاء- نؤيدها ونصفق لها، وننحني طاعة وإحتراماً، حتى لو أقدمتْ على إعدام أولادنا أو آبائنا، لأنهم لو لم يكونوا خونة ومتآمرين، لما نالوا هذا العقاب!! ولعل مما زاد تعلقنا بحكوماتنا، إنّ مقتضياتها ذات طبيعة عامة (المصلحة العامة) وليست (خاصة)، أي إنها مشروعة وموضوعية وتخدم الناس والوطن!!
من البديهيات التي تعلمناها بالتجربة والاعتياد والخبرة والمعايشة، إن مصلحة الوطن، هي من المصالح العليا المرتبطة بالبنى الفوقية، والتي تقررها الحكومات وحدها، ولا يحق لنا نحن (أعني المواطنين البسطاء)، التدخل أو الاعتراض أو ابداء رأي أو ملاحظة، ومن هنا اتسمت عبارة (بناء على مقتضيات المصلحة العامة) بهالة من الأسرار، واكتسبت نوعاً من القدسية الاستثنائية، ولا أحد يجهل إن المقدسات خط أحمر، أي لا يجوز الاستفسار عنها، أو الاقتراب منها، ولهذا أصبحنا – أعني نحن المواطنين البسطاء- مثل قطيع الغنم المطيع (حاشانا) نمشي وراء أولياء أمورنا، (على عهد الباشا نوري السعيد، وعلى عهد الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم، وعلى عهد العقيد عبد السلام محمد عارف- أصبح يحمل رتبة مشير بناء على مقتضيات المصلحة العامة- أو عبد الرحمن أو البكر أو صدام حسين- أصبح يحمل رتبة مهيب وهو ليس عسكرياً بالأساس، ولكنها مقتضيات المصلحة العامة) من غير أن نسأل أو نستوضح أو نعترض، لأن (المقتضيات) مقدسة، قدسية التين والزيتون والضحى والليل ودار العبادة!!!
لا خلاف على ان الأمر لم يعد كذلك في العراق الجديد، فحكوماتنا التي تتسابق في تقديم أعلى درجات الشفافية للمواطنين، لم تعد لديها أسرار ولا خبايا، فهي تتخذ قراراتها في العلن، وتصارح الشعب بها، وهذا جزء من أفضال الديمقراطية، وكان أمراً طبيعياً أن تلغي من قاموسها السياسي، العبارة القديمة الجاهزة، (وبناء على مقتضيات المصلحة العامة)، لتحل محلها العبارة التالية (وبناء على مقتضيات المحاصصة العامة) التي يحتل بموجبها فلان الفلاني وزارة المالية أو الدفاع أو الصحة أو التجارة أو الداخلية.. الخ، بغض النظر عن الشهادة والكفاءة والاختصاص والخبرة والتأريخ والنزاهة والوطنية، وهكذا باتت مقتضيات المحاصصة هي التي تقود البلد وتحكمه، وعلينا – أعني نحن المواطنين البسطاء- ألا نسأل ولا نعترض، لأننا أمام مقدسات جديدة، ولأن أولياء الأمور، أدرى بمصالح الوطن ومصالحنا.. مثلما علينا أن نوافق ونصفق ونبارك، كما إعتدنا – أعني نحن المواطنين البسطاء- على ذلك منذ تسعين سنة!!