اقرأ في هذا العدد
 
 




افكار
 
هل فكرت في ان تصبح شجرة
هل فكرت في ان تصبح شجرة
رغد عبد الزهرة
 من منا يتذكر الدرس البسيط في العلوم عن الألوان، وكيف ان الألوان ليست حقيقية! لا طبعاً؛ لا نتذكر فعملية حفظ الدروس، عملية تُخزن غالباً في الذاكرة المؤقتة لعدم أرتباطها بصور واقعية أبعد من نتيجة الأمتحان!
نعم، الألوان ليست حقيقة، فرؤيتك لشيء أحمر ليس لأنّه مكون من جزيئات حمر، بل لأن سطحه يمتص كل ألوان الطيف عدا الأحمر، فلا ترى عيناكَ سواه، وإذا ما أمتص الجسم كل الألوان تراهُ أسود كالفحم، أما إذا أفتقر الجسم لقابلية أمتصاص أي لون، ظهر باللون الأبيض كالورقة، وهي أشياء لها علاقة بالطول الموجي للألوان، والبعد بين الذرات المكونة للمادة.
اللون الأخضر من الألوان المحببة للإنسان، تُذكره بإرتباطهِ الأزلي بالطبيعة، وفي علم النفس فأن أختيار اللون الأخضر دلالة شخصية مُبدعة، تتسم ببساطة التفكير ووضوحه، والبعد كل البعد عن العنف.
 اللون الأخضر ليسَ من الألوان الأساسية، التي هي الأحمر والأصفر والأزرق، هو لون ثانوي لذا فأن جمع صفرة الشمس مع زرقة المحيط سيُنتجان لوناً أخضر كالحياة، بينما إزالة هذين اللونين لن تبقي إلا على اللون الأحمر!
لذلك طبعاً يرتدي الأطباء والممرضون في صالات العمليات اللون الأخضر، لغرض التصحيح البصري بعد النظر لفترة طويلة إلى اللون الأحمر للدم.
اللون الأخضر، ولارتباطه الوثيق بالحياة، مقدس لدى أغلب الشعوب، لذا نجدهُ يرمز في المخيال الشعبي مثلاً إلى البيت النبوي، فيتبرك المؤمنون بقطع من القماش الأخضر تُعلق على ضريح ولي، أو تمسح بشباك قبره. وهو أيضاً لون السلام، ولون غصن الزيتون الذي حملتهُ الحمامة لتؤكد رجوع الحياة بعد أنحسار الطوفان.
وفي الحديث ورد " ثلاث يُجلينّ البصر؛ النظرُ إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحَسن"، الماء والخضرة والوجه الحسن هذهِ الكلمات دُمجت في مطلع أغنية كتبها "محمد حمزة" ولحنها "بليغ حمدي" للعندليب الراحل، أغنية موجهة إلى ملك المغرب "الحسن الثاني" في العام 1968 والتي على أثرها رُفع الحظر عن أغانيهِ في الإذاعة المغربية التي مُنعت إثر وشاية كاذبة، أو ربما ليست كاذبة عن علاقته بفاطمة اوفقير زوجة الجنرال اوفقير، رئيس أركان الجيش، رغمَ أنها لم تذكر شيئاً من ذلكَ في مذكراتها التي لم تفتقر إلى الجرأة.
كما قيل أنهُ غناها تتويجاً لصداقته الطيبة مع الملك، الذي كانَ كريماً مع الفنان الراحل.
 لكن بعيداً عن هذا كله، بما أن الموضة العالمية هي في إعادة تدوير الأشياء للحفاظ على مصادر البيئة المحدودة أصلاً، هل فكرتَ يوماً في إمكانية إعادة تدوير البشر!، لِمَ لا؛ البشر الذين يسفكونَ الدم في حروبهم التي لا تنتهي، ويستهلكون موارد البيئة بوصفهم كائنات مستهلكة، صارَ بإمكانهم الآن أن يتحولوا إلى كائنات منتجة، وأن يساهموا في التصحيح البصري ويصيروا أشجاراً!
علبة صغيرة بمائة دولار فقط تضمن لكَ حياة أخرى على الأرض لكن بهيئة شجرة!
في العام 1997 تقدم الشاب الأسباني "جيرارد موليني" (مواليد برشلونة 1977) بفكرة غريبة، ماذا لو أعدنا تدوير البشر، ماذا لو حولناهم إلى أشجار صديقة للبيئة؟ وعلى مدى خمسة عشر عاماً لم يتوقف عن الترويج لفكرته وأجراء التجارب لمعرفة أفضل الطرق وأبسطها لذلك، حتى أصبحت الشركة اليوم شركة قانونية ومعتمدة يديرها من مقرها في برشلونة مع أخيه الأصغر سناً "روجر موليني".
الشركة المعروفة بأسم "Bio urns" مستمرة بشحن الأكواب العضوية التي يُخزن فيها رماد الموتى، إلى أي مكان في العالم، مع وضع كمية من البذور لأكثر من نبات لتزرعه حسب رغبتك في جثة الميت! طلب أربعة أكواب أو أكثر سيُعفيكَ من دفع رسوم النقل!
طبعاً هذهِ الأكواب باتت تستخدم لا لدفن البشر وحسب، بل حتى حيواناتهم الأليفة!
في الوقت ذاته تقدم العالمان الإيطاليان  آنا تشيتلي وراؤول بريتزل بطلب الموافقة على مشروع مماثل، حيث صمم العالمان كبسولات دفن لحفظ كامل الجسد، وليس الرماد فقط، هذه الكبسولات تحوي أنزيمات وموادا عضوية تسرع من عملية تحليل الجسد وتحويله إلى مواد غذائية صالحة لإنبات النبات الذي تُزرع بذوره داخل الكبسولة، لكن الحكومة الإيطالية رفضت الطلب.
قبلَ عامين بالضبط، وفي فلسطين، أطلقت وزارة البيئة الفلسطينية حملة سمتها "الوفاء" حيث تُزرع لكل من قُتل على يد القوات الاسرائيلية شجرة تحمل أسمه، الحملة التي أستمرت بنجاح لا تزال تتجدد بينَ فترة وأخرى، تشجيعاً لزيادة الرقعة الخضراء.
هذا العام أطلق الشباب العراقي عبر الفيسبوك ومواقع التواصل الأخرى حملة مماثلة وفاءً لشهداء العراق وبالأخص شهداء الجيش والحشد الشعبي، الحملة التي أُطلق عليها "صرخة تصحر" والتي تُشرف عليها منظمة "صرخة" للإغاثة والتنمية، تقوم هذه الحملة على أساس زرع شجرة الكايرس، التي تمتاز بتحملها للأجواء المناخية الصعبة، وتحمل كل شجرة بطاقة باسم الشهيد الذي زُرعت لأجله، وإن علت في الوقت ذاته صرخات أخرى لأختيار نوع آخر من الأشجار بعد إيراد بعض خبراء البيئة أضراراً هائلة قد يسببها هذا النوع من الأشجار.
 منذ أن أنطلقت الحملة وصفحات التواصل مستمرة بدعمها، تحت هاشتاغ "زرعت شجرة لشهيد" وقد تبرع الكثيرون بأكثر من شجرة، بعض المنظمات تبرع بما يصل إلى مائة شجرة، وبادرت حملة أنا الإنسان في محافظة البصرة، إلى زرع 1700 شجرة وفاءً لشهداء مجزرة سبايكر، هذهِ المبادرة الرائعة تهدف إلى محاربة ظاهرة التصحر، وفي الوقت ذاته تُساهم في إعادة التصحيح البصري لأعين العراقيين الذين تعبوا من النظر طويلاً إلى الدم المسفوح هدراً في الحروب.