اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي
 يوم بكى رياض قاسم

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
عبد الزهرة زكي
 أراد مراقب الصف الثاني ـ ب ـ أن يظهر شطارته قبل وصول المعلم بلحظات فعمد إلى تهجي اسمي وكتابته على السبورة.
اختار كتابة اسمي دون أسماء الآخرين كون املاؤه هو الأصعب بين أسماء تلاميذ الصف، وفيما كان منتشياً وهو يهمّ بمسح الإسم بعدما أكدت له وللتلاميذ صحة كتابته دخل المعلم سامي ومنعه من مسح ما مكتوب على السبورة.
كانت أصوات التلاميذ عالية في الصف حينها، واسترعت الفوضى انتباه المعلم الذي لم يأمرنا بالجلوس. بحث عني، وكان يعرفني، فطلب مني التقدم نحوه، وقد أمسك بمسطرة أحد التلاميذ.
طلب مني أن أمد يدي ليعاقبني، قلت له وكنت أنظر في وجه مراقب الصف: « كان يريد أن يتعلم كتابة اسمي، لم أكن فعلت شيئاً».
وحين سأل الأستاذ سامي المراقب عن صحة ادعائي بقي المراقب صامتاً فاغراً فاه متحسباً من أن يطوله العقاب إذا ما أكد حقيقة ما أقول، لم يجب بشيء، فحسب المعلم أن قراره صحيح وفسّر صمت المراقب بالموافقة على ما رآه هو، فكرر بزجر شديد طلبه بأن أمد يدي.
لم أكن أتخيل للحظة أن المعلم يمكن أن يضربني ولسبب مثل هذا السبب الزائف الذي سأعاقب بموجبه. إنه يعرف تماماً أني واحد من أشطر طلابه ولطالما أثنى عليَّ كثيراً إلى الحد الذي كان فيه يوما يعلّم تلاميذ شعبة أخرى مجاورة للشعبة ـ ب ـ التي أنا من تلاميذها حين جاء واستأذن من المعلم الآخر (علي ورد الخفاجي) معلم القراءة أن يصحبني معه لدقائق إلى شعبته تلك التي كان يعلم تلاميذها كما يعلمنا نحن الحساب. وفي تلك الشعبة بدأ يسألهم فلا يجيبون ثم يسألني فأجيب بما هو صحيح.. أخذت منهم عدداً من مرات التصفيق الحار قبل أن يعيدني إلى شعبتي ويطريني أمام المعلم الذي أحب: علي ورد الخفاجي.
مددت له راحة كفي اليمنى وكدت أبكي ليس خوفاً فقط وإنما أيضاً شعوراً بالظلم وبتعاسة مفارقة سخيفة لست مسؤولاً عنها وأتعرض بموجبها وبفعل جبن المراقب إلى عقاب هو الأول في حياتي كلها حينذاك.
مدَّ المسطرة باتجاه كفّي الصغيرة ليس ليضربها وإنما ليقلبها؛ هذا لا يفضّل الضرب على راحة الكف، إنه يريد ظاهرها ليضربني عليها قائلاً بكل حماقة وصلف: « لا أعرف الضرب بالمسطرة.. إفتح ما بين أصابعك».
ومع بشاعة العقوبة التي تنتظرني تضخم إحساسي بالظلم؛ بكيت بحرقة وسحبت كفي ممتنعاً، ولما لم يفلح باقناعي بالتنفيذ ازداد احتقاناً وطلب من المراقب ومن تلميذ آخر أن يتقدما ليتكفلا بمدّ يدي وبسط كفي وفتح أصابعي ليضع المسطرة بين أصبعين ويضغط على كفي بقسوة، صرخت معها بشدة حتى سحب التلميذان أيديهما مني وتراجعا مذعورين قبل أن يطلب منهما أن يعودا لمقعديهما، مبقياً على الفريسة قربه، طالباً مني مدّ كفي على ظاهرها، فانهال عليها بعشر ضربات فقدت بعد ضربتين منها الشعور بالألم ولم أفقد شعوري بنذالة الأستاذ سامي ووحشيته وبشاعة تلك اللحظة التي كنت فيها.
عدت إلى مقعدي وبدأ هو الدرس كما لو لم يحصل أي شيء.
كان ذلك في شهر كانون الأول. كان البرد لا يُحتمل، خصوصاً بالنسبة إلى أطفال بمثل ذلك العمر الذي كنت فيه. غالباً ما كنا لا نقوى في أول درس يومي على مسك قلم الرصاص والكتابة في تلك الصفوف الباردة. في العادة يبدأ المعلمون صباحا التعليم بالطلب من التلاميذ ممارسة إحماء أكفهم ببعضها ومع هذا تظل الكتابة عملاً شاقاً ومزعجاً للتلاميذ ولأصابعهم الرقيقة، لكنه عمل لا بدَّ منه في كل حال سواء بالإحماء أم من دونه.
قبل أن أصل إلى المقعد لاحظت أن أصابعي قد أحمرّت وتورمت بفعل العقوبة، لم أستطيع حتى فتح الحقيبة لإخراج دفتري وكتاب الحساب، ساعدني زميلي المجاور لي في المقعد ففتح الحقيبة وأخرج الدفتر والكتاب وناولني قلمي الرصاص، وحين لم آخذه منه وضعه أمامي صامتاً وعيناه على المعلم خشية أن ينالَ عقاباً بفعل موقفه الإنساني معي.
لم أقوَ على مسك القلم، عاد الألم شديدا في كفي التي ازداد تورمها وضوحاً.
سعى المعلم سامي لأن يمر بي من دون أن يبدي أنه كان متقصداً ذلك المرور، استند الى مقعدي متحدثاً إلى التلاميذ فيما كان يختلس نظرةً إلى كفي. يبدو أنه لاحظ تورمها بحيث لم يطلب مني طيلة وقت الدرس أن أقلّب كتاباً أو أكتب شيئاً في دفتري أو حتى أمسك بالقلم.
استمر بكائي حتى الدرس الثاني مع مجيء المعلم الذي أحب الأستاذ علي الذي ما أن طالع كفّي حتى انفجر غاضباً وأخذ يسبّ زميله، سحبني من المقعد بانفعال وأخذ بي إلى المدير. كانت كفي متورمة وكنت لا أقوى على ثني أصابعي، ما أشد الألم، يا الله، ولكن ما أفدح الشعور بالظلم. لم أشك للمدير بشاعة (التعذيب)، شكوت إليه فداحة الظلم وبراءتي فيما كان الأستاذ علي يتحدث له عني، شاطراً ومؤدباً ونظيفاً.. لم تكن للمدير حاجة إلى هذا التعريف، سمعته يقول لمعلمي الذي أحب: أليس هو الذي يقرأ نشيد رفعة العلم؟
الكلمة الطيبة تخفف من فداحة هذا الشعور الناقم في داخلي؛ الشعور بالظلم، واستهجان الإهانة، ومعهما المعاناة الشديدة من ألم مبرح من كفي وأصابعي. خلت أن كفي لن تعود سليمة ولن أبرأ من الألم، وكان هذا ما يضاعف حاجتي إلى البكاء ويشتد به.
ـ ماذا تريد يا أبني الآن؟
ـ أريد أبي..
سألني المدير وأجبته، فبقي والمعلم علي حائرَين ماذا يفعلان لي.
تغيب التفاصيل الأخرى ويبقى منها أن والدي جاء معي في اليوم التالي، وما زالت كفي متورمة وقد خالط احمرارها زرقة وخضرة لثلاثة أيام قبل أن تشفى بالماء الساخن والملح.
طلب والدي أن يلتقي الأستاذ سامي بحضور المدير، حتى إذا حضر المعلم أمرني والدي بالمغادرة إلى صفي، لم يشأ أن يكون (التفاهم) أمامي. غادرت غرفة المدير وكنت أسمع صوت والدي عالياً يهين المعلم ويوبخه فيما ظل هو صامتاً، وكنت أسمع المدير يهدئ والدي ويعرب عن أسفه وعن ثنائه عليّ.
لم أحب المعلم سامي مطلقاً، لكنت خسرت معه محبة درس الحساب والرياضيات بعده طيلة حياتي.. بينما بقيت حتى الآن لا أحبَّ عندي من القراءة والكتابة. كم أحببت لطف الأستاذ علي ورد الخفاجي!.