اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
القاضي الساعدي : المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية مخالفة للدستور
القاضي الساعدي : المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية مخالفة للدستور
الشبكة العراقية/ تصوير: صباح الربيعي
 قبل بضع سنوات منح القاضي أحمد جاسب الساعدي، الشاب البالغ (ع- ق)  حرية العودة الى دينه المسيحي، بعد أن كان عٌدَ مسلماً تبعا لإسلام احد أبويه. وكان الشاب قاصرا، وقتذاك.
أثار هذا القرار حينها جدلا في أروقة القضاء، بين رافض له وموافق عليه، لكن القاضي الساعدي كان  واثقا من أنه اتخذ القرار الصائب الذي يتماشى مع سماحة الاسلام وعدالته وكذلك مع الدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية، بعيدا عن أجواء الإكراه والتزمت. 
اليوم نحن أمام قضية ذات صلة لكنها كبيرة ومعقدة، فقد أثارت المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية، الذي شرعه مجلس النواب مؤخرا، والتي تنص على أن “يتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين”. استياء وتحفظ أطراف سياسية ودينية واجتماعية واسعة، وجدت في هذه المادة تعسفا وإكراها بحق أبناء الديانات الأخرى.
ولتجربته السابقة في البت بمثل هذه القضايا حرصت “الشبكة” على الاستماع لوجهة نظر القاضي الساعدي في هذه القضية فكان الحوار التالي:
¶أثارت المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية الموحدة، جدلا واسعا في الأوساط القانونية والمنظمات المدافعة عن الحريات، فضلا عن انها استفزت بشكل مباشر أبناء الديانات الأخرى لاسيما المسيحيين، ماذا تقولون؟
-دعنا نبدأ بهذه القصة التي تقول أن احد الانصار أسلم وظل اثنان من اولاده على الدين المسيحي، فقال لرسول الله اأدخل الجنة ويبقى بعض مني في النار؟ فقال له الرسول: «لا اكراه في الدين» ولا اعتقد ان هناك وضوحا اكثر من هذا. ثم أن وضع نصوص في القوانين تفرض افكارا دينية، أمر يخلق مناخا يهدد النسيج الوطني، ويتجاهل ظروف البلاد التي تعاني من صراعات دينية وطائفية، والأهم هو السؤال: ما المكسب الاسلامي من فرض معتقداته على من لا يؤمنون بها من الطوائف والأقليات الدينية الأخرى؟ كما أن هذه المادة تخالف نصوصا دستورية واضحة تؤكد حرية المعتقد، فضلا عن مخالفتها لروح نصوص دينية اسلامية وردت في القرآن الكريم وفي الأحاديث وجميعها تؤكد ألا اكراه في الدين.
¶لقد حكمت في احدى القضايا المختلف عليها فقهيا لصالح صبي كان والده قد أسلم وعندما بلغ سن الرشد طلب العودة الى دينه المسيحي، فمنحته هذا الحق؟
-كان توجه القضاء العراقي في ما يتعلق بالصبي الذي عد مسلما تبعا لاسلام أبيه أنه يجيز له «اذا بلغ سن الرشد ان يختار دينه» وهذا الموضوع استقر عليه القضاء لسنوات، بل لعقود طويلة لكن في عام 1998 صدر قرار من الهيئة العامة في محكمة التمييز اعتبر هذا الاختيار ليس صحيحا وغير مطابق للشرع والقانون واعتبره بحكم الردة، وفي الحقيقة كان هناك رأيان بهذه الاتجاه وقد اخذت محكمة التمييز بالرأي المتشدد وأهملت الرأي الأكثر انفتاحا وتسامحا مع كل التقدير لرأي محكمة التمييز الموقرة، خاصة أن واحدة من اهم النقاط الثابتة لدينا هي ان الأديان لايكره عليها احد، فضلا عن الدين الاسلامي وذلك في نص الآية المباركة «لا اكراه في الدين» وهي قاعدة اسسها الاسلام.
¶إذن تجدون في هذه المادة تشددا ليس مطلوبا؟ 
-نعم التشدد هنا ليس له من داع في ظل اجوائنا والتغيير الذي حدث بالبلد لانه كلنا نعرف أن التشريعات والقوانين هما نتاج التدافع الاجتماعي والسياسي والثقافي وهذه المادة تناقض الدستور فالمادة 41 من الدستور تؤكد أن لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة وبالمادة 46 يقول الدستور «لا يجوز تقييد ممارسة أيا من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور او تحديدها الا بقانون او بناءً عليه، ويشير بشرط ان لا يمس بجوهر الحق والحرية.
¶الا تعتقد ان المشرع كان يجب ان يأخذ في الاعتبار وحدة النسيج الوطني التي تعرضت الى التصدع كثيرا، قبل تضمين تلك المادة في  القانون؟
-نعم.. كان لابد للمشرع ان يلتفت الى هذا الجانب، خاصة ان الأقليات الدينية وبصورة خاصة المسيحيون تعرضوا الى مشكلات ومعاناة كثيرة وكبيرة وهذا القانون بصيغته المطروحة عكس صورة للعنف الذي تعرضوا اليه، لذا كان ينبغي ألا نؤسس لنصوص تتجاهل أو تساير العنف الذي تعرض له المسيحيون.
¶معنى هذا نحن نكرس هذه المعاناة ونزيدها؟
-الان كأنما نريد أن نجتث وجودهم بتشريع قانوني، يقول لك المسيحي باي حق انت تجعلني مسلما لمجرد ان والدتي اسلمت، لذلك أنا اعتقد ان وضع الأفكار الدينية في القوانين أمر خطير في ظل احتدام الصراعات بين الأفكار والمعتقدات، نحن اصبحنا على قناعة الان بأن علاج مشكلاتنا هو الدولة المدنية التي تكفل الحقوق والحريات وتثبت مبدأ المواطنة.
¶هل كان من الضروري وضع نص « يستفز» مشاعر الأقليات الدينية في قانون البطاقة الوطنية؟
-انا اعزو هذا الى عدم وجود وعي كامل لما يمر به البلد من ظروف وتعقيدات. الأمر الآخر لاحظنا وجود استعجال وعدم خبرة في وضع القوانين، لذلك تراهم يذهبون الى النص الجاهز. فضلا عن ان القوانين عندما تشرع لابد ان تذهب الى مجلس شورى الدولة حتى يدققها، كي لا تتعارض مع الدستور. المؤسف ان المشرع لم يأخذ ظروف البلد في الحسبان، وكان لزاما عليه ان يداوي جراحات العراق في ظل بلد ديمقراطي لا ان يسعى الى تعميقها بقانون لن ينفع المسلم. ومع هذا أعتقد أن الحل هو في اللجوء الى القضاء.