اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
 رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
انعام كججي : الكتابة هي حيلتي الوحيدة لمواجهة الخراب
انعام كججي : الكتابة هي حيلتي الوحيدة لمواجهة الخراب
اية منصور
 ترممُ وطناً خاصاً بها وتمسحهُ بكف من الحنّان، لتضعهُ في جيبِ قلبها الدافئ، كلما ارادت الخروج إلى مكان غريب وآمن، فرشتهُ وجلست لتحدثه عن أرضٍ في الضفةِ الأخرى، قُدرّ لها انّ تنمو وسط النار لتأكلّ الحروب أبناءها بمهارة، تلك هي إنعام كججي، الروائية العراقية التي وثقت حروبنا بمنتهى الصدق. 
¶وأنتِ تلملمين "طشار حياتنا" المتناثر مابين جرح وغربة ومحاولات التشبث بالأرض، لتلصقيه بحبرِ الرواية على هيئة وطن نُظفت جراحاتهِ بقطنّة من اليقين الأدبي، هل ألتم طشاركِ وتمددتِ بأحضان الخريطة؟
ـطشاري الخاص، كما تسمينه، يتجدد مع كل طشار عراقي أراه حولي وأتفرج عليه في التلفزيون وأقرأ تفاصيله في الصحف. كيف تجمعين شتات أرواح تحول الكثير منها إلى منافض رماد وولائم لأعشاب البحر؟ إن حبر الرواية يبقى صرحاً من خيال. وقد كتبت روايتي على أمل تجميع عظام العراقيين التي تبعثرت في مقابر الدنيا وضمها في مقبرة واحدة، ألكترونية، لكي يدفئ بعضها بعضاً من رطوبة التربة الغريبة، لكن الألكترون وهم، وأملي نفسه وهم ومجرد شطحات أدبية. هل تصدقين أنني كتبت، في ربيع 2003، مقالاً في جريدة "الشرق الأوسط" دعوت فيه إلى استعادة رفات كل مبدعينا الذين فارقوا الحياة في منافيهم ومغترباتهم، الجواهري والبياتي ونازك وغائب طعمة فرمان والممثلة زينب ومصطفى جمال الدين ومنير بشير وبلند الحيدري وغيرهم وغيرهم، ولم يتحقق ما رجوته. وقبل أيام مات عبد الرزاق عبدالواحد وأوصى بأن يدفن على ضفاف دجلة، لكنه استقر في تربة غريبة. 
¶ يقولون انّ الغربة ماء قاتل يجري في عروق شجيرات المغتربين، حتى تنضج في البعد ثمارا من الوجع، الهذا ربّما كنتِ تقتطعين منها غصنا حبريّاً وتغرسينه لينبت بكل رواية؟ ماذا فعلت بك الغربة لترمينها في كل رواية؟ 
ـ لم أكن منفية ولا مُهجرة ولا لاجئة. بقيت في الخارج بقرار مني ولسبب شخصي. وبقرار مني أيضاً لم أود أن أكون مغتربة. سأبقى العراقية المولودة في بغداد من أب موصلي وأم بصراوية، وسأجعل من شقتي سفارة صغيرة ترفع علم المحبة والوئام. ويبدو أنني، بعد أكثر من ثلاثين سنة، ما زلت أتمسك بسياسة حسن الجوار والمعاملة بالمثل بيني وبين هذه البلاد الغريبة. وحتى بعد أن حصلت على الجنسية الفرنسية فإنني لم أنجح في تقمص شخصية المواطن مزدوج الولاء وما زلت أستقتل في سبيل تجديد جواز سفري العراقي، هويتي الأصل. وأظن أن حربي الخاصة هذه واضحة في رواياتي. 
¶ما لفتني انكِ في كل رواية، تتركين حبلا حذرا للسير عليه بين خارطة بلادك وخرائط المنافي، ما لغز الحنين الذي تعيدين من خلاله أبطالك إلى أرضك دائما؟
ـ ليس حنيناً بقدر ما هو علة وجود. لا أسير على حبل ولم ألعب على حبلين. هناك خارطة وحيدة تسكنني وأهلع عليها من التمزق والتقسيم. ما الذي بيدي وأنا المواطنة البعيدة التي لا حول لها ولا قوة في مواجهة خراتيت السياسة وتماسيح الطائفية؟ الكتابة هي حيلتي الوحيدة. وهي مهنتي وهوايتي. وإذا كنت أعيد أبطالي إلى مساقط رؤوسهم أو أرسمهم وهم يحلمون بتلك العودة فذلك لأنني اختبرت الفرق بين مذاق السعادة في الوطن ومذاقها في البلد الأجنبي. هل هناك ما هو أطيب من باريس؟ نعم، بغداد. ولأنني أشفق على أبطالي من التباسات المهاجر وأحبهم وكأنهم من أهلي وأتمنى لهم السعادة الحقة، فإنني آخذ بأيديهم للرجوع إلى الأرض الأولى. هذا مع كامل ادراكي لما آل إليه الواقع في العراق من مأساة. هل أكون معتوهة إذا أغمضت عينيّ وحلمت بالوطن وقد تعافى واستعاد رشده وطرد نهّابته والفاسدين؟ 
¶ بعد عمر طويل من الصحافة، أبطالك لم يخلقوا إلا عام ٢٠٠٥ ما الذي حرك مياه حياتك فتفجر هذا التسونامي الروائي؟
ـ حرّكها ما حرّك مياه كل العراقيين وخضّ بحيراتهم خضاً. الغزو الأميركي. وأنا مدينة لجورج بوش الذي جعل مني روائية. وقد ظلت الصحافة عشقي، وبقيت أعدها عقيدة لا مجرد مهنة. وهي قد أعطتني الكثير ودرّبت لغتي وشذّبت ترهلات عبارتي وعلمتني فن الإيجاز ورفدت عالمي بعشرات الشخصيات والتجارب. لكن المقالات والأخبار والتقارير والأعمدة السريعة لم تكن قادرة على استيعاب التسونامي الذي تفجّر في دواخلنا جميعاً. كانت صرختي المحتبسة عظيمة وتبحث عن مسرب يناسبها. وقد كانت الرواية هي تلك القابلة التي مدت يدها وسحبت غضبي من حنجرتي ووضعته على الورق. 
¶بعد عملية الخلق لأبطالك،لاتنسي دس ذكرياتهم في بطون حياتهم، إذ تبقى لصيقة بهم وتطاردهم أينما كانوا، ما الغاية من ثأر الذات من ذاتها الجريحة؟
ـ الذاكرة هي صديقتي ومعذبتي. وأظن أن الحفاظ عليها رسالة. فأنا اليوم أتلفت حولي فأجد أجيالاً شابة لم تعرف العراق الذي كان ولا تصدق وجوده. لذلك أشحذ كل لقطة مخبوءة بين ضلوعي وكل حادثة سمعتها من أُمي وعماتي وكل موقف تعرض له أبي أو أقاربي لكي أؤثث بها بيوت كتاباتي. سواء في المقال أم الرواية. إن جيل أبنائنا وأحفادنا يتطلع إلى صورنا القديمة أيام الجامعة أو صور آبائنا في أعراسهم ومدنهم وأريافهم ويبتسمون بتعجب، بل ببلاهة، لأنهم لم يعرفوا من العراق سوى صور الحروب والتفجيرات والنزاعات والجثث. إن بلداً احتوى كل تلك المتناقضات والقوميات والمذاهب والخلافات السياسية ومع هذا كان جنة الله على الأرض، يستحق أن ينبش ذاته الجريحة ويثأر، لا منها، بل من الذين أعملوا سكاكينهم فيها. إن مفردة السياسة في المعاجم تعني ضمن ما تعني المواءمة والقيادة الرشيدة. لكنها عندنا باتت تعني الجريمة والوبال والموت الأحمر.