اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
 رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
"قراءة الخردة" الأكثر مبيعاً وانتشاراً في الغرب
حوراء النداوي
 من البديهيات المعروفة في عالم الفن والأدب أن يطغى نوع فني على آخر لإعتبارات غير فنية. في سبيل المثال تجد ان الجنس الأدبي أي “الجانرا” الأدبية الأكثر مبيعاً هي أدب الطفل بنسبة تقارب 39٪ تليها جانرا الأدب الحديث وبنسبة 16٪ بينما تحتل جانرا الواقعية السحرية 2٪ فقط بين التصنيفات الفنية الأدبية. وهذا التوزيع لا يضمن بالضرورة الفائدة المادية المجنية، فالأدب الذي يجني المبالغ الأكثر هو أدب الرعب، يليه أدب الخيال والخيال العلمي. 
أي ان أنواع الآداب من التي يعدها المثقف الحداثوي عندنا رصينة وعميقة ليست مصنفة ضمن الأدب الأكثر شيوعاً. هذا إضافة لكون مثقفنا غير مطّلع على ما تقدمه الساحات الثقافية العالمية بسبب تخلف ركب الترجمة العربية، فتجده يبالغ في التركيز على أسماء معينة فقط تمكنت من تجاوز حاجز الترجمة ووصلت إليه. بإختصار فإن بورخيس هنا - و يالمفاجأة المثقف العربي الذي يمتاز بعمق بورخيسي و كونديري لا يضاهى- يقع في قعر القائمة.
نوعية النقد التي يقدمها المثقف العربي تقترح جانرا واحدة على كل القراء في محاولة للإرتقاء بوعيهم النوعي الى القراءة ذات الوزن الثقيل من دون الإلتفات الى الخلفيات والتدرجات الثقافية المختلفة لهؤلاء القراء، ربما لأنه كقارئ نخبوي ينسى تماماً هذه الفئات فهي ليست واضحة للعيان بما يكفي لكي يحسب حسابها. عالم القراءة العربي بالتحديد هو عالم نخبوي بشكل عام طريقه ضيق وغير متشعب ليتحمل التنوع والإختلاف.
 و هذا يدفع إلى ذائقة أحادية الإتجاه من دون النظر الى الثيمات والجانرات والقراءات بكافة تنوعاتها الثقيلة منها والخفيفة، فيحاول المثقف النخبوي ان يحارب بكافة أسلحته للتقليل من قراءات يعدها أقل عمقاً مما يعتبره هو فائق الجودة ورائعاً. 
تضايق هذا المثقف كثيراً القراءات البسيطة والروايات الأكثر شيوعاً، بل وحتى روايات الجيب الشبابية فكلها يعدها حجر عثرة أمام ما يبيعه هو من بضاعة لن تلقى ذات الرواج لأنها ببساطة ذات مقاسات مختلفة، ومن الصعب ان تلبسها العقول كافة مقابل البضاعة ذات المقاس الواحد، المريح والمطاط جدا.
وهو لا يفهم حتى الآن الأسباب التي تجعل من كاتب يعده سطحياً و تافهاً أكثر مبيعاً وانتشاراً، وهو يكرهه لإنتشاره وشيوع كتبه كرهاً عميقاً ولن يحاول قراءة نتاجه فتكفي شعبيته للجزم بتفاهة ما يكتب. وبرغم ان رأيه “كمثقف ثقيل الوزن” غير مطلوب في هكذا قراءات إلّا انه يقدمه بحماسة فهو يعد كل ما يكتب ويطبع وينشر في كتاب واقع تحت مسؤوليته الثقافية البحتة، وبذلك فهو مسؤول عن المعايير النقدية لهذه الأعمال حتى وإن لم تكن ضمن إهتماماته.
يعدد أحد المثقفين أسماء لروايات يعدها بكل بساطة زائدة على الساحة الأدبية ويذكر من ضمنها رواية “لقيطة اسطنبول” ولا أدري هنا إن كان قد قرأها حقاً أم  ان عنوان الرواية المقرون بإسم كاتبة وليس “كاتب” قد يكون أوحى له بنوعية مبتذلة من الأدب، تلك النوعية التي تثير الحساسية الثقافية وتأجج طفحها النقدي اللاذع. وسبب تشكيكي هذا هو ان رواية “لقيطة إسطنبول” تحديداً جاءت كواحدة من أولى الشهادات التركية الصريحة في حق مذابح الأرمن على يد الأتراك وكادت أن تودي بكاتبتها الى السجن، ولا تعد من الروايات التافهة والزائدة عن الحاجة مثلما وصفها صاحبنا ببساطة. كما ان الرواية وبحس كاتبتها الأنثوي عالجت القضية بطريقة عاطفية كانت في بعض الأحيان مهيجة للمشاعر بشكل قاس و حاد، حتى إذا ما أنصفناها فإن ذلك لا يمنع النقد التقييمي والتقويمي. فبعض شخصيات “لقيطة اسطنبول” كانت لتبدو غير واقعية تماماً لا سيما بطلتا الرواية اللتان كانتا تخوضان نقاشات سياسية شرسة وهما بعد في التاسعة عشر فقط! لكن ألا ننقد مثل هذه التفاصيل عند الكتاب الذين نعدهم أو يعدهم غيرنا عظاماً ايضاً؟ فما هو سر التحامل اذا على أسماء بعينها؟ 
في الثقافة القرائية الغربية يوجد ما يعرف “بالجنك ريدنغ” اي قراءات الخردة وهي تشمل  المجلات والكتب المصورة والقراءات الخفيفة وتحت هذا التصنيف نجد العديد من الكتب الأكثر مبيعاً، على سبيل المثال سلسلة روايات هاري بوتر والشفق وغيرها تعد من قراءات الخردة لكنها تحتل أيضاً مكانة مميزة عند ملايين من القراء. التحكم بذائقة الناس أمر صعب ويكاد يكون مستحيلاً لكن الحكم على الأذواق أمر غير منطقي. من الطبيعي ان يختار الأغلبية من  الناس القراءات الأخف في خضم حياة يتسارع إيقاعها، هذا عند الأمم التي تقرأ. أما بالنسبة لمجتمعاتنا غير المواكبة، فالقراءة بأشكالها كافة حادث سعيد بحد ذاته ولا يحتمل الأحكام الثقافية المسبقة.