اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
كلتوري اكثر من مقهى
كلتوري اكثر من مقهى
حسام السراي
 تُصادفك في الحياة العامّة صور ومشاهد، بعضها تتجاوبُ الذائقةُ معه بشكل سريع، تطمئن للتفاصيل وتعجب بالفكرة التي تلمس مضمونه في فعل أو في روح مكان تتآلف معه فيترك أثره في الأعماق.
كانت الشوارع والمقاهي الدمشقيّة، بعد أحداث العام 2006 ببغداد، خير ملجأ للعراقيّ الهارب من أتون العنف الطائفيّ، هناك يمكن أن تظفر بمثال نادر عن صلة روحية بعمران وروائح وشخوص، لا يمكن لمن مرّ بها مغادرتها أو نسيان هذه الولادة اللاإرادية في دواخل النفس البشريّة.
مُغتربون ومنفيون كُثر، قادتهم خطواتهم بعد نيسان 2003 إلى مقاهي بغداد العتيقة والمَنسية، هم يعرفون فداحة الصورة التي كانت تنتظرهم، لكنّهم ذهبوا بطاقة “الحنين المرضيّ” التي تغلّبت- آنيّاً- على انكسارات العراقيّ المستمرّة.
مُقاربة الأمكنة المغدورة، وبغداد أنموذجٌ يصحّ تفحّصه والقياس على أساسه، تختلف عن مقاربة الفضاء الناهض، برغم أنّه لا يتقبّلك بشكل كامل، والأسباب هنا متعدّدة، سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة، اجتمعت كلّها في زمن القناعات المُسبقة.
في السليمانية، وأنت تزورها قبيل اندلاع الاحتجاجات هناك بساعات فقط، تضع حاجز اللغة جانباً، وتتمعّن في الشوارع وأسمائها وعدد التماثيل المُنتصبة في المدينة لشعراء ومثقفين، وفي ظاهرة “مقهى كلتوري” تحديداً، الملمح الفريد ضمن سياقين؛ محليّ وإقليميّ. مقهى تأسّس العام 2011 وأصبح واحداً من المعالم في معقل الثقافة الكرديّة، فهو ليس مجرّد مقهى اعتيادي لشرب الشاي والقهوة ومحطّة للقاءات المثقفين وحواراتهم، بل فيه مكتبة واسعة، للبيع والقراءة أيضاً، وأكثر من ذلك لديه مكتبة متجوّلة يسمونها “سفينة نجم الدين ملا”.
قبل زيارة المقهى، و”كلتوري” الكرديّة أتت من “”Cultural (الثقافيّ)، كان هناك اشتغال على بحث عن المقاهي الثقافيّة في العراق عموماً، دلّت إجابة صاحبه على حسّ إداريّ ناجح، يعرف عبره قيمة ما يفعل، بحرصه على تسجيل الملاحظات ونوعية الصور المرسلة للتوثيق في المادّة، التي ينطلق رصدها من بغداد نحو البصرة جنوباً، ومن ثمّ صوب كردستان شمالاً، ومن بين مقاهٍ عدة، تبقى تجربة هذا المكان في السليمانية مختلفة ولها خصوصيتها عن الأخريات، حتّى داخل المدينة ذاتها.
كلّ يوم تتعزّز القناعة بتفاهة السياسة وشرورها، حينما يريد متحزّبون وتجار مواقف أن تبقى أخبارهم وميولهم هي المتسيّدة على كلّ شيء، لا حياة أخرى إلا على وفق دسائسهم، ولا تواصل ولا قبول بين العربيّ والكرديّ في الرقعة الجغرافية نفسها إلا حينما تهدأ بنادق المُقامرين.
بالطبع الكلام الأخير لا صدى له، فالدرك الذي بلغناه، يجعل صديقاً يكتب لك في رسالة خاصّة: “كيف نستمرّ ونراهن على الفعل الثقافيّ ومن أين لنا بقدرة على تحمّل جراح ذواتنا وهي تتجرّع سؤالاً يقول: “أنت من أي أعمام”، استفهام على ما يبدو صار من المسلّمات الشعبيّة في المجتمع”.
برغم هذا وغيره، بدلَ “كلتوري” واحد، لنطمع في العشرات.