اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار
 باب السيف : محلة بغدادية اتعبتها دائرة التقاعد العامة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
طالب عبد العزيز
 تعد عشرات القرى والقصبات والأراضي الزراعية التي تقع على ضفة شط العرب الغربية، بين قضائي أبي الخصيب والفاو، من أكثر الأماكن تضررا في العراق، جراء حرب الثماني سنوات مع إيران. وها نحن نقترب من نهاية عقود ثلاثة، مرت على نهاية الحرب، لكننا لا نجد ما يمتُّ للحياة بصلة في المناطق المنكوبة هذه، إذ لم تبدأ حركتها بعد هناك، 
فحجم الخراب يفوق التصور، ومشهد النخيل المحترق والأنهار الطافحة بالماء المالح وخراب الأرض التي ما زالت تفوح منها رائحة القتلى الغائبين علامات دالة هنا، وسوى من طرق ترابية موحشة، تعلوها أشجار الغرب والطرفة، سوى من مربّي الجواميس والأبقار، الذين نزحوا من مناطق الأهوار، ومن مناطق شمالي البصرة، سوى من مخافر حدودية عتيقة ونقاط لشرطة الحدود لا يوجد ما يجعل من الحياة ممكنة هنا. 
 
رقعة الأمل
 إلى أضرحة النخل وإلى أعماق الأنهار المفردة في الأراضي الموحشة هذه، يشدُّ محبّو صيد السمك بالخيط والسنارة وآخرون بالشباك وقوارب الفلين رحالهم فجر كل يوم جمعة وفي كل عطلة ومناسبة، قاصدين رقعة الأمل هذه، حيث السمك وفير بأنواعه الكثيرة، والصفاء لحظة عابرة، مثلهم يفعل صيادو البلابل والطيور الغريبة بالأقفاص والبنادق في سعي لاقتناص الكائنات الجميلة، التي تتنقل سابحة على الموج من الجهة الإيرانية إلى الجهة العراقية، في رحلة أبدية، دأبت على تكرارها منذ فجر التأريخ. مواعيد المدِّ والجزر هي من تنظم الرحلات هذه، إذ لا قيمة للرحلة ما لم تكن قد تم توقيتها مع ساعة دخول الماء إلى الأنهار، التي باتت تتسع كل يوم، بفعل ارتفاع مناسيبه اوقات المدّ ووقوف الماء، ذلك لأن سرعة جريانه مذهلة هنا، كما أن عجالة عودته في الجزر لا تخدم حركة الصيد، فهو يجري قاصداً البحر العريض، عند أقرب نقطة في الخليج.
 
خرائب ومناحات
تتفرع من شط العرب وعلى امتداد طوله، الذي يزيد على 100 كلم عشرات الأنهار والجداول والترع الكبيرة والصغيرة، التي احتفرها الآباء المجهولون قبل مئات السنين، هذه القنوات الكثيرة شقت لتروي مئات الآلاف من الدونمات الزراعية. الأنهار الباذخة هذه، هي التي خلقت غابة النخل والفاكهة، التي كانت هنا ذات يوم، قبل العام 1980. حيث أعلن صدام حسين حربه على إيران، والتي ارتدّت خسفاً وخراباً على السكان الآمنين هنا. أما وقد جرّفت آلة الحرب النخل والفاكهة وردمت الأنهار وغادرها الناس وتحولت الأرض الى ما هو عليه اليوم، خرائب ومناحات ممتدة حدَّ البصر، يتطلع من ظل من السكان، أو ممن لا يجدون مأوى غير الخرائب هذه، إلى اللحظة التي تقوم فيها الحكومة على استرداد الحياة من فم الزمن المنفلت نهبا وموتا زؤاما.
 لا تبدو الصورة قاتمة جداً، فالماء وهو سرُّ الحياة ومكنونها متاح في الأمكنة هذه، فهو يأتي بالمدّ وينحسر بالجزر، ويكرر ذلك مرتين في الليل والنهار، وسوى من تنظيم لحركة دخوله وخروجه مع تكتيف للأنهار التي باتت تتسع وتعرض بفعل الجريان السريع للماء، وبفعل حركة السفن العراقية القليلة والايرانية الكثيرة، التي تدفع بموجها الماء عاليا، ليهدم الضفة الترابية الضعيفة، ولتتآكل الأرض عند صدور الأنهار، سوى من وجود حكومي بات ضرورياً، لا يمكننا التحدث عن مستقبل آمن للأرض، لا يمكننا الدنو من مصطلح الطمأنينة والعيش الكريم لمئات الآلاف من الناس، الذين يتطلعون العودة الى ديارهم وقراهم. إذ من غير المعقول أن تُتركَ الأرضُ مغمورة بالماء المالح، وتهجر مرتعا للخنازير الوحشية، غير مأهولة من أحد، وقد كانت جنانا عظيمة ذات يوم.
 
البحث عن لحظات سرّية
غالباً ما أكون ضمن مجموعة الصيّادين هذه أو تلك، التي تقصد المْطوعَة أو كوت بندر أو الدويب أو  الفداغية أو المعامر أو الدواسر أو غيرها من القرى، وقد نصعد عاليا فنكون في المخراق والفاو الجنوبي.. وهذه أمكنة تتباين في صلاحيتها للصيد وفي سهولة الوصول اليها، فالطريق كما أسلفت ترابية، موحلة أيام المطر والبرد أو بفعل الرطوبة التي كثيرا ما ترتفع نسبتها في الشتاء. وقد لا يكون الصيد دافعا أوليّا بالنسبة لي، فانا باحث عن لحظات سرّية، أستغور فيها رحلة الانسان الأول، الذي وطأت قدماه الأرض هذه قبل أن تدخلها جيوش عتبة بن غزوان في السنة الرابعة عشرة للهجرة، أتطلع لصورته وهي تتكرر سمراء مطحونة على وجه الماء، أو إلى يده وهي تمتد لتقطف فاكهة، رطباً أو لتجمع قبضة من برسيم.. لكن مجموعة الصيادين تنشغل بما علق في صناراتها من أسماك، بما اشتبك في غزولهم من البلابل والطيور اللائذة الهاربة من قحط وسباخ الأرض.