اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
قريباً من مسرحنا
قريباً من مسرحنا
 د.كريم شغيدل 
في منتصف السبعينات فتحنا أعيننا على حركة مسرحية نشطة، الفرقة القومية للتمثيل، فرقة مسرح الفن الحديث، فرقة مسرح اليوم، فرقة 14 تموز، المسرح العمالي، المسرح الريفي، المسرح المدرسي، وفرق المحافظات، وفرق شبابية، ومسرح أطفال ودمى، ومهرجانات ومواسم، وكان المسرح هواية مفضلة لذوي المواهب، وكان معهد الفنون الجميلة يشكل علامة مهمة، فضلاً عن أكاديمية الفنون، وقد شهدت تلك الحقبة عروضاً لاتجاهات ومدارس فنية مختلفة، ابتداءً من مسرح شكسبير وبريشت وانتهاء بالمسرح الصامت (البانتومايم)، وكان نصيب العائلة العراقية من هذه الحركة وفيراً، إذ شاعت تقاليد ارتياد المسرح، للترفيه والتثقيف، ولطالما كنا نردد مقولة لينين: اعطني خبزاً ومسرحاً.. أعطيك شعباً مثقفاً.
ومع سياسات عسكرة المجتمع واندثار الطبقة الوسطى، وسطوة القمع الرقابي، وبدء مسلسل الحروب العبثية للدكتاتور، وطغيان مظاهر ترييف المدينة، على يد النظام الذي سيطر عشائرياً على مقاليد الحكم، ثم اشتداد حدة العوز وإفقار الطبقة المثقفة من أدباء وفنانين، وهروب الكثير منهم، شاع ما يسمى بالمسرح التجاري، مسرح الرقص الغجري والنكات السمجة، بما يناسب البيئة الريفية التي كرسها النظام، وللأسف كان بعض الفنانين بقصد أو دون قصد يتخذون من شخصية (ابن الجنوب) موضوعاً للسخرية، بوصفه نموذجاً للتخلف والهمجية والرعونة والهوان والتملق والنفاق، وهو هدف السلطة آنذاك، لا سيما بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة التي زعزعت عرش السلطة، وكان ذلك المسرح أسوأ نموذج للتهريج والإساءة لبعض طبقات المجتمع، وكان المراهقون يشكلون غالبية مشاهديه، وقد عزف عنه الكثير من العوائل لما يعرضه من إثارات رخيصة وألفاظ نابية ونكات سمجة، وكل ما يتنافى مع الذوق العام.
مقابل ذلك المسرح الهابط، كان هناك ما يسمى بالمسرح الجاد، أو مسرح النخبة الذي انتهج أساليب صورية تغريبية خارج المألوف، وباللغة الفصحى المبالغ برمزيتها وشعريتها، ما لم نقل إنه كان متعالياً على هموم المجتمع ومشكلاته، ومن سماته تغليب الجو المشحون بالحزن والصرامة اللفظية والتجهم، أما اليوم فهناك مسرح من نوع آخر، ظهرت ملامحه بعد 2003، مسرح يمكن أن نسميه منطقة وسط، بين جدية المضمون وأسلوب الكوميديا السوداء، وبجماليات صورية مقتصدة، معبرة ودالة وحيوية، لكن لا يزال هذا النمط بعيداً عن اهتمام القطاعات العريضة للمجتمع، لأسباب عديدة أهمها محدودية أيام العرض، وانعدام البنية التحتية وشح الإنتاج، فبغداد العاصمة ليس فيها سوى مسرحين، هما مسرح الرشيد ومسرح المنصور، والرشيد قصته قصة إذ لا يزال خربة لم تمتد له يد الإعمار، والمنصور لم يعد مكانه مناسباً لأسباب أمنية، أما المسرح الوطني فهو قاعة احتفالات أكثر منه قاعة عروض مسرحية، وربما يشفع له إنشاء مسرح الرافدين برغم محدودية مقاعده، من هنا ندعو الجهات المتخصصة لإنقاذ المسرح العراقي وإعادة تقاليد ارتياده بتوفير ممكنات الإنتاج وإنشاء المسارح وإعادة تأهيل ما دمرته الحرب.