اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
الباحث العلامة
الباحث العلامة
حسن العاني
 على كثرة الذين اشتغلوا في ميدان الاقتصاد، الا ان احداً منهم لم ينل من السمعة الطيبة، وسِعَةِ الشهرة، والتألق الفكري، ما ناله الأستاذ الدكتور (سعدون فياض)، الذي كان مضرب المثل عند الناس، حيث جرى الكلام عن الذكاء والعبقرية، فيما كانت مخاطبات الدوائر الرسمية ووسائل الاعلام تطلق عليه لقب (الباحث العلامة)!
“فياض” وكتُبُه وجهوده البحثية ونشاطاته الميدانية، جعلته يستحق الكثير من الالقاب، العلمية الاكاديمية منها، أو الاعتبارية البلاغية، وليس “العلامة” فقط!! وكانت محاضرته في ذلك المساء واحدة من أكثر المحاضرات أهمية وإثارة، ليس لأنها اعتمدت على لغة التحليل العلمي والاحصاءات والأرقام فقط وكما هي عادته، بل لأنها تناولت كذلك موضوعاً بالغ الحساسية حول الاقتصاد العربي ومقوماته، واشارت الى نقاط قوته وضعفه، من غير صراخ أو تهريج خطابي أو تفاؤل عاطفي اهوج، إن كل عبارة في محاضرته، تعبر عن حقيقةٍ مدعمةٍ بالدلائل!!
كثُرت المداخلات والتعليقات.. إلا أن المعقبين لم يجدوا ثغرةً ينفذون منها لابداء اعتراض أو ملاحظة سلبية، فاكتفوا بالثناء على المحاضرة والمحاضر، لكن العبارة التي أطربت “فياض” حتى كادت تبكيه هي التي قالها أمين عام الاقتصاد العربي إن العلامة سعدون فياض، يعدُّ بحد ذاته ثروة عظيمة تدعو الى الاعتزاز، وعلى الأمة ان توليها قدرها من الاحترام، ونصيبها من الرعاية!، تلك العبارة أثارت حماسته ودفعته الى الاعلان المبكر، بأنه يشرف على الانتهاء من دراسة مستفيضة، هي على حد وصفه، أهم مشروع بحثي أنجزه في حياته، لأنه يستقرئ كيفية استثمار النفط، ليكون ثروة دائمية، ويتناول السبل العملية والوسائل التطبيقية التي تتيح للعرب توظيف مواردهم الاقتصادية على أفضل صورة لخدمة اهدافهم التنموية وخدمة الانسانية!!
جُنّ جنون الحاضرين، وعلا التصفيق من جديد بطريقة غير مسبوقة، وترك الجميع مقاعدهم، ووقفوا طوال خمس دقائق وهم يعبرون عن فرحتهم بشتى الصور، فيما انطلقت زغاريد النسوان من أرجاء القاعة، ودفع المشهد العاطفي رئيسَ منظمة تربية الثيران وتسمين العجول الى الانتظار حتى هدوء العاصفة كي يرتقي المنصة، ويطبع قبلة على جبين العلامة، ويمنحه وسام الثيران من الدرجة الأولى، كما دفعت تلك الأجواء الحماسية، رئيسة الرابطة النسوية للدفاع عن حقوق العوانس، الى منح سعدون، شرف العضوية في الرابطة، وحق اختيار العانسة التي تعجبه للزواج، على أن تتحمل الرابطة التكاليف كاملة! وإرتقى أكثر من رئيس منظمة أو اتحاد المنصة، ومنح العلامة، العديدَ من الأنواط والأوسمة، وكان الناطق باسم الحكومات العربية، هو آخر من ارتقى المنصة، حيث هنأ الرجل ونقل اليه إرتياح الحكومات لجهوده السلمية المثمرة!!
وسط تلك المباهج النفسية، شقّ العلامة طريقه الى خارج القاعة في تلك الأمسية الشباطية الملبدة بالغيوم والبرد، وهو يتلقى كلمات الترحيب ودعوات التوفيق والنجاح، وعند البوابة الخارجية كانت الابتسامات العريضة تعلو وجوه الجميع.. ثم توجه الحضور الى مركباتهم وإستلقوا في المقاعد الخلفية، وانطلقوا مغمورين بالسعادة والاطمئنان على مستقبل الأمة الاقتصادي!! وفي تمام الساعة التاسعة ليلاً، وبعد إنفضّ الجوُّ الكرنفالي، عبر الدكتور العلامة وحيداً الى الجهة الثانية من الشارع، كان المطر يتساقط خفيفاً، ثم ما لبث أن إشتد، والرجل يحتمي من المطر تحت مظلة إحدى العمارات، وقد راودته مئات الأفكار قبل ان ينتبه الى إن الساعة قاربت الواحدة بعد منتصف الليل، وإن أياً من سائقي الأجرة لم يوافق على نقله الى مقر سكناه البعيد عن قاعة المحاضرة (سعدون إختار ذلك السكن لأنه رخيص نسبياً)، عندها صرخ بأعلى صوته [أنا في حد ذاتي ثروة عربية تدعو الى الاعتزاز]، وتعالت ضحكاته المدوية بصورة هستيرية أثارت حفيظة الشرطة الحريصة على حفظ الأمن والهدوء، فألقت القبض عليه بتهمة الاخلال براحة المواطنين، وإطلاق عبارات غامضة تثير الشك وتستوجب التحقيق و... ولم يُعرفُ مصير الدكتور العلامة حتى لحظة نشر هذه المقالة!
ملاحظة: 9،99% (وهي النسبة التي يفوز بها الحكام العرب في الانتخابات) من علماء ومبدعي الأمة، يحظون بالرعاية والتكريم والسيارات الفارهة والميداليات الذهبية والسكن المريح بعد انتقالهم الى رحمة الله تعالى.. لذا اقتضى التنويه!!