اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
محرم وشعارات الاصلاح
محرم وشعارات الاصلاح
 عبد الحليم الرهيمي
خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم الحرام من كل عام, تستعاد ذكرى استشهاد الامام الحسين في واقعة الطف بكربلاء عام 61 للهجرة, وذلك بإقامة (المواكب الحسينية) التقليدية بهذه المناسبة.
وفي هذا العام شهدت تلك المواكب رفع شعارات ومطالب سياسية, بشكل مباشر أو غير مباشر, إلى جانب الشعارات والردات الدينية المعتادة.
وإذا ما استبعدنا بعض الشعارات والهتافات الطفولية المرفوضة وغير اللائقة, وهي قليلة على أية حال, فقد لاقت تلك الشعارات السياسية والمطلبية ارتياحاً وقبولاً شعبياً واسعاً، ونظر إليها الرأي العام باعتبارها شعارات ومطالب تعبر حقاً عن الأهداف والشعارات الوطنية الرئيسة لمطالب التظاهرات التي انطلقت في بغداد منذ نهاية شهر تموز الماضي وعمت معظم محافظات ومدن العراق الأخرى.. هذا فضلاً عن اعتبار الرأي العام أن تلك الشعارات – وهذا هو المهم – تستلهم ثورة الإمام الحسين وهدفها الأساس في الدعوة والسعي للإصلاح ومحاربة الفساد والظلم والتسلط والاستبداد الذي كان قائماً انذاك, وبذلك فهي الأصدق والأكثر تعبيراً عن تلك المطالب السياسية والوطنية لتظاهرات الإصلاح.
ربما يرى البعض في رفع الشعارات السياسية في المواكب الحسينية إقحاما غير مناسب وغير مبرر, لكن في مقابل ذلك هناك رأي آخر يقول, أن تلك الشعارات السياسية والمطالب الإصلاحية أنما تمثل – في الواقع – واحدة من اكبر واصدق تجليات الثورة الحسينية والتعبير عملياً عن أهدافها الإصلاحية .. هذا في حين أن الحزن والبكاء وحتى (اللطم) لمن يقتنع به, يمثل الوجه الآخر الشعوري والوجداني إزاء استشهاد الحسين وآل بيته وصحبه بشكل مروع ومأساوي في واقعة الطف بكربلاء, حيث مثل هذا الجانب عامل جذب وتعاطفا شعبيا متواصلا لقضية الحسين وثورته الهادفة للإصلاح.
لقد بقيت المواكب الحسينية، عندما لا تقوم السلطات السياسية الحاكمة بمنعها, ولعقود بل وحتى لقرون، ترفع الشعارات والردات الدينية – المذهبية المشروعة التي تعبر عن مأساة استشهاد الحسين والتذكير بوهج ثورته لكنها, وبدءاً من أوائل خمسينات القرن الماضي بدأت بعض الردات تتضمن مواقف سياسية مبطنة وناقدة لسياسة السلطات الحاكمة، خاصة خلال سنوات تظاهرات 1952 و1954 و 1956 مثل مناشدة الإمام الحسين وبقية الأئمة مساعدتهم في التخلص من الظلم والشكوى المبطنة إليهم بالانتقام من الظالمين ... والى غير ذلك.
وإذا كان جمهور الأحزاب السياسية المعارضة القومية واليسارية يلجأ إلى الأسلوب غير المباشر في التعبير عن معارضته للسلطة ب ( الردات ) الحسينية , فقد لجأت بعض أحزاب السلطة آنذاك للتعبير عن حضورها وقوتها إزاء الأحزاب الأخرى المختلفة معها.
وكمثال , رفع حزب الأمة الذي كان يترأسه النائب والوزير المرحوم صالح جبر في احد المواكب ردة تقول ( حزب الأمة الاشتراكي .. حزبك يابو اليمة .. هذا الحزب غالب كل الأحزاب , حزبك يبو اليمة , مظلوم حسين ! )
أما بعد ثورة – حركة 14تموز عام 1958 فقد عمدت بعض الأحزاب إلى ممارسة حريتها ومنها رفع الشعارات السياسية في المواكب الحسينية . وعلى سبيل المثال , عندما احتدم الخلاف والصراع بين القوى القومية واليسارية حول الموقف من مصر – عبد الناصر هل يقيم العراق وحدة اندماجية أم اتحاد فدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة حيث رفعت القوى القومية شعار الوحدة بينما رفعت القوى اليسارية وفي مقدمها الحزب الشيوعي شعار الاتحاد الفدرالي, فجرى التعبير عن ذلك الخلاف بالمواكب الحسينية. 
وخلال المواكب الحسينية في العاشر من محرم والواسعة في زيارة أربعينية الحسين في كربلاء رفعت القوى اليسارية وفي مقدمها الحزب الشيوعي شعار الاتحاد الفدرالي وهو: 
( هاالشعب فدرالي رايد امته .. غايته. يوحد صفوف الشعب , بين أكراد وعرب .. غايته , مظلوم حسين !.. )
أما بعد التغيير والإطاحة بنظام صدام الاستبدادي فقد اتسمت ردات المواكب الحسينية طيلة السنوات الماضية بالطابع الديني فقط مع الإشارة إلى نقد بعض المظاهر الأمنية السلبية.
أما في هذا العام , فقد سبق حلول العشرة الأولى من محرم مرور نحو ثلاثة أشهر على انطلاق التظاهرات المطالبة بالإصلاح , فكان من الطبيعي أن يرى المتظاهرون في ذكرى استشهاد الإمام الحسين المناسبة التي استلهموا منها هدفها للإصلاح حيث توافقت شعاراتهم ومطاليبهم الإصلاحية مع أهداف ثورة الإمام الحسين الإصلاحية وتجلياتها وحضورها مع تظاهرات الإصلاح ثم مع المواكب الحسينية التي تضمنت هذا العام شعارات ومطالب سياسية وإصلاحية في ردات المواكب الحسينية والتي رددها جمهور المواكب الواسع والذي أصبح بذاته جمهور تظاهرات الإصلاح التي عكست بشكل جلي مضمون ودلالات ثورة الإمام الحسين الإصلاحية وتجلياتها في الواقع.