اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
لنتحدث في المواجع أولا
لنتحدث في المواجع أولا
عامر بدر حسون 
amerbhassoun@gmail.com
 اجريت لقاءات مطولة، طيلة الشهور الماضية، مع نازحين من الموصل: سنة، شيعة، شبك، ومسيحيون. وشهدت جزءا من صراعاتهم الحادة وتحميلهم لبعضهم مسؤولية سقوط الموصل.
ذكرني هذا بنقاشات المنفيين العراقيين قبل ثلاثين عاما، حيث كنا يوميا ندخل في نقاشات مدمرة للذات، ومسيئة للآخر. 
هذا يخالف الشائع في المواعظ من ان المحنة تجمع الضحايا، وتجعلهم يواجهونها مجتمعين. فالمحنة، في الواقع، تفرق الناس وتجعلهم يبحثون عن الخلاص الفردي، ويحملون الآخرين المسؤولية كاملة وبقسوة. وكما يقال “يولد النصر وله أباء كثيرون أما الهزيمة فتولد لقيطة.. والكل يتبرأ منها”!
ما كان يحصل، في الحي الذي سكنته، ان بعض شباب السنة يدافعون عن داعش في وجه الشيعة، الذين لا يقبلون ان يمس احدهم الحشد الشعبي. وبمضي الوقت تطور النقاش الى مرحلة مختلفة: السنة كانوا يعبرون عن شكواهم وتذمرهم من سلوك الجيش والشرطة الاتحادية (الجيش من الوسط والجنوب والاتحادية من الموصل وريفها) والشيعة كانوا يشكون من داعش ومن مبالغة السنة في الحديث عن تجاوزات الجيش والشرطة. وكان لدى كل طرف ضحايا بمعنى الكلمة من الطرفين: الحكومة وداعش. 
تحسنت العلاقات بين جيراني بمضي الوقت.. وكان هناك الكثير من القصص المؤلمة عن الموصل تحت ادارة الجيش والشرطة و..داعش ايضا قبل الاحتلال! والضرائب التي كانوا يدفعونها للطرفين، خاصة السنة! 
بودي ان نبدأ جميعا بمواجهة الواقع.. اي ما حصل فعلا دون رغبة في التبرير أو التجريم. 
اعرف ان كل عراقي لديه فكرة جاهزة عن المسؤول والمتهم، ولديه الكثير من الأدلة والشواهد على اثباتها. وبودي ان يقف هذا العراقي أمام نفسه أولا ويتذكر ان الآخر لديه ايضا فكرة جاهزة ولديه امثلة وشواهد على اثباتها.
هي الان، وفي هذا السياق، مواجهة مع الذات، وهي لاتشمل الموصل، بل تشمل العراق باجمعه.
لنجمع الشواهد أولا:
كل سني متهم انه داعشي أو مؤيد ومتعاون مع داعش!
هذا اسمه الواقع وليس الحقيقة.
لكن هذا الواقع يواجهه واقع آخر يقول:
ان ملايين السنة يعيشون مهجرين أو لاجئين في الخيام بسبب رفضهم لداعش، وقتلى السنة على يد داعش في الفترة الماضية هو اكثر بكثير من ضحايا الشيعة. وهذا يتناقض مع الفكرة الشائعة من ان كل سني داعشي! 
هل اصبحت اللخبطة التي نحن فيها واضحة؟
السنة في النقاشات يؤيدون داعش او هكذا يبدو الأمر.. لكن أمام من يفعلون هذا؟ أمام الشيعي الذي يتهمهم بالداعشية، فتأخذهم العزة بالنفس ويدافعون لان محدثهم لايريد ان يصدق غير فكرته عنهم.
الموضوع طويل ولا نهاية قريبة له، واذا كنا نفكر حقا بابنائنا واحفادنا ونريد لهم ألا يعيشوا عيشتنا، فالعمل يبدأ من الان.. ومنك انت بالذات ايها القاريء. 
لدى السنة كلام كثير ولدى الشيعة مثله، وقد مرا بحالة كراهية وانتقام متبادل. وكل هذا تعبير عن الخوف المتبادل وغير المعترف به.. اتمنى الان على الأصدقاء الذين لديهم ميل لمواجهة النفس، وسماع رأي السني من السني، ورأي الشيعي من الشيعي. ان نتفرغ في هذا الجزء لسرد واقعة محددة هي الموصل قبل احتلال داعش.
هذا مفتاح مهم لقضايا اكبر واكبر فلا ينبغي الانشغال عنه بالحديث عمن بدأ ومن اعطى ضحايا اكثر.
نجمع الوقائع أولا، ونكون شركاء في الحل تاليا.
واجه نفسك .. وابدأ!