اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 منظمة داري وطن متنقل بين حقول الوجع
 الصحفيون الاجانب في العراق لم نتعرض للتهديد ولا نخاف الإ من المفخخات
 المسنون .. منسيون حتى في عيدهم العالمي قصص مؤلمة عن جحود الابناء
 الفوتوشوب طابور خامس بنكهة التكنلولجيا
 الصحة في غرفة الانعاش

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

تحقيق
 
مقبرة الشعراء في الاهوار ابوذيات على شواهد القبور
مقبرة الشعراء في الاهوار ابوذيات على شواهد القبور
كريم راهي
 «ردتك لعدّ أيّام كُبري
وردتك تنزّلني بكَبري
راح الوِلد عفية اعله صبري» 
الصوت يأتي من مكان ليس بعيداً.. أطلب من صاحبي التريّث علّ الكلام يتّضح لي أكثر.. هذا صوت لثكلى كما بدا يتأكّد، فأنا أعرَف بنداءاتهنّ كشأن كلّ من عاصر الحرب من أبناء جيلي، لفرط ما شهدناه أيّام كانت عربات الأجرة تحمل توابيت الخشب الملفوفة بالعلم مثلّت النجمات، في عادةٍ عراقيّة كانت يوميّة.
سألت مُضيّفي، عمّ يكون هذا المكان الذي تتناهى من وراء أستار شجيراته هذه المناجيات التي تفطّر القلوب. وبضغطة سريعة على فرامل السيّارة، ثمّ استدارة إلى الخلف، رأيتني أمام أعجب جُبانة رأيتُها في حياتي. وبدلاً من أن يقول لي: «تعال لأُريك العجب!».. يجيبني (أحمد حيدري) بلامبالاة ظننتها مُتعمّدة:
-إنّها مقبرة الشعراء!، واحدة من عدة مقابر في المدينة.. ولأن هنا يرقد أغلب شعراء الأهواز وماجاورها فقد دُعيت كذلك.. لكن هذا لا يمنع من أن تكون فيها قبور أخرى أيضاً، لجنود قتلوا في المعارك مثلاً.
لكنّه، وبعد تفكّر يُشبه دقيقة صمت مقدّسة، يُباشر باستلال ما تُيسّره له ذاكرة تحفل بكلّ وجدانية التأريخ الشفاهي المحلّي.
-هنا يرقد الشعراء امحیبس الهلیجي، سید سلمان آلبو شوكه، اوداعه البریهي، خلف خانزاده، عاید البدوي، سید فرج آلبو شوكه، مهدی الزنبوري، حلیم مجدم، سید رمضان الغرابي، فاضل آل صكَور.. ثمّ الشاعر والناقد شجاع الباوي!!
كنتُ قبل أن تطأ قدماي هذه المدينة بعقود، قد تعرّفت إلى اسمها من إذاعتها التي كانت تبثّ بالعربيّة، التي كان الجميع هنا يختلسُ السماع إليها أيّام حرب الثماني سنوات، بحثاً عن أيّما أثرٍ يدلّ إلى مفقودين أو مأسورين، وكان أخي أيّامها مفقوداً للتوّ. 
هي(الأهواز) إذن.. بشاطئيها، بجواميسها ومعدانها، بعربها وفُرسها.. المدينة التي يغلب على طابعها البيئي مناخ مدن الضفاف، وعلى عاداتها السكّانية ما يدعوك لعدم تفريقها عن أية مدينة شاطئيّة أخرى جنوب شرق العراق.. عنك اللهجة المحليّة لأغلبيتها العربيّة، التي يميّزها قلب الجيم ياءً والقاف غيناً على عادة أهلنا الجنوبيين. والتي تبدو لمن هو مثلي غير مألوفة لفرط ما تشبّث فيها من معجميّات مندثرة.
المدينة تقع على كتف نهر (الكارون)، مُلهم مدّاحي الديكتاتور ومُشعلي حروبه الخاسرة. ومن ذاكرة ليست بعيدة، ستقفز أبياتٌ لواحدة من تلك الأهازيج التي ألقت بأبناء جيلي إلى أتون محرقة اقتيدوا لها وفوهات بنادق فرق الإعدامات مصوبّة إلى ظهورهم:
«هذوله العبروا الكارون.. ماخافوا السمتيّة»
 
في «رسالة إلى عائلة سعد»، يكتب القاص الإيراني (حبيب أحمد زاده) عن رسالة وجدها في جيب الجندي العراقيّ (سعد عبد الجبار) الذي أعدمته قوات الحرس الجمهوري في معركة جرت قريباً من شطّ الكارون هذا.. «قد أحظي برؤية قبره»، أقول في سرّي، «في فرصة لم تُتح لغيري!».
 
كنت على وشك أن أسأل (حيدري) عن المكان الذي عثر فيه (حبيب أحمد زاده) هذا على جثّة الجندي العراقيّ ذاك، لكنّي عدلت عنه إلى سؤال أكثر واقعيّة، قفز إلى ذهني بمجرّد أن علمت بأمر ضحايا الحرب المدفونين هنا.. هو إن كان بإمكانه أن يدلّني على قبر لواحد ممّن قضوا وهم مجبرون على الحرب، فليس كلّ من ذهبوا إليها كانوا لا ينوون العودة.
كان (أحمد) يدور بي بين الشواهد المرمريّة التي حفلت بالأشعار والتواريخ، عربيّة وفارسيّة، وكنت أقرأ ما خُطّ على بعضها بيُسر، فيما راح يترجم لي ما تعسّر عليّ فهمه.
-هذا لطفل مات بعمر الثلاث سنوات، وهذا لشاب راح في حادثة دهس، وآخر لامرأة عمرّت لأكثر من مائة سنة.. ها!! أمثلُ هذا هو مُرادُك؟
في صالة الإنتظار بمطار مدينة (أصفهان)، وحيث ستدلف النساء بعد تفتيش دقيق خضعن له، يتناهى إلى سمعي صوت إحداهن وكأنّها كانت تردّ على اعتراض المفتّشة، كانت أمائر الحزن بادية على قسماتها، وبرغم أنّها لم تكن تتجاوز العقد الرابع، إلا أنّها بدت وكأنّها شاخت للتوّ، كانت عيناها اللتان ابيضّتا من الحزن تشيان بذلك:
-آنه بياحال يايمّه! هسّه طايرة للأهواز.. وليدي ميّت ودافنينه هناك من أمس.
قد تكون هي إيّاها، لا أدري.. لكن صوت الثكلى الذي دعاني لدخول المقبرة بعد حادثة المطار بيوم، يشبهه كثيراً.. الصوتُ المفجوع يأتي ثانيةً: 
«يوليدي يمّه انّوب ذلّيت.. والموت ياخذني تمنّيت.. اعْمود الوسط يالشايل البيت..بيش آنه جيت وبيش ردّيت»..
 
مستجيباً للبيت الشعريّ الذي أحفظ، «الأرض كلهه ارواح خفّف مشيتك»، وخشية أن أوقظ النائمين، أتحرّك بخفّة وحذر شديدين بين تلكم الشواهد التي لم تخل واحدة منها من بضعة أبيات شعريّة، هي في الغالب أبوذيّات. وعلى شاهدة قبر (اخطيط بريهي بن حجي غليم)، أقرأ ماكتبه فيه الشاعر (عبد الله بن بكعان) على لسان إبن المتوفّي:
العكَل خف وخلل بالراس بيّن وصرت مثل التكول الناس بي ين
اعله حجّي اخطيط ابوي الحيد بيّن عيوني بدم كَطن شوفي عليّه
ثم أروح مسجّلاً بكاميرا نقّال عادية، كلّ ما يقع تحت دائرة بصري من أبوذيّات كتبها عرب الأهواز في ذويهم الراحلين، عاقداً العزم على العودة ثانية لتوثيقها كلّها، وإكمال تدوينها في كتاب سيحمل عنوان (ديوان أبوذيّات المقابر)، فليست مثل (مقبرة الشعراء) هذي، ما يُمرّ عليها مرور العابرين.
 
هنا بعض الأبوذيّات المخطوطة على القبور
•شلون انسه الوفة منك وسعدك
علينه يالتعب جفك وسعدك
ردت للشيب أخدمنّك واسعدك
أشو كبل الوفه صار الفراك
•إذا لجلك فديت الروح مندم
وعليك العين تبجي وتصب من دم
إذا عمري كفيته وياك مندم
لأن طبعك حلو ونفسك وفيّه
•احترك كلبي بوسط النار ونسه
وبعد هيهات حجي يطيب ونسه
اخوي الجان الي بالبيت ونسه
رحل والبيت ظل مظلم عليه
•جذب دمعي دمه لفكده مصابه وليدي وكلبي لفراكه مصابه
حبيب اشلون ما يصعب مصابه التركني بلوعة الناصب عزيه
•نحت عالوالدة اوصيك راحات وعكبهه مايصح بالعمر راحات
متحير شكول شلون راحت برحيل امي انهدم بيتي عليه.