اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب
 العبودية والاستبداد شباب الامس .. وشباب الجيل
 اول امرأة عراقية في هيئة الأمم المتحدة
 من فتاوى الشيخ محمد عبدة عام 1905
 وصفة من عراقي الاصل نجيب الريحاني للعراقين أنس الهم ينساك

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

شبكة الايام
 
قصة البئر الأولى للنفط في العراق
قصة البئر الأولى للنفط في العراق
 كان من شأن ليلة الخامس عشر من تشرين الأول عام 1927 ان تكون ليلة مثل سواها من الليالي: ساعات نوم للعمال المتعبين الذين ابتدأوا الحفر في بابا كركر في شهر حزيران من العام نفسه، كي يواصلوا العمل في اليوم التالي.
 
في تلك الأرض الجرداء، وفي الثانية صباحا حيث كان الخبراء الانكليز والعمال العراقيون نياماً كان الحاج محمد خلف وفتح الله علي يغالبان أرقاً لم يعرفا أسبابه، اتجهت عينا الحاج محمد خلف الى البئر علها تنطق بالخير فتحيل أرقه وتعب رفاقه وكل مواطنيه الى خير عميم، نفس النظرة كانت تتجه الى البئر من عيون فتح الله علي، وكانا يتساءلان في داخلهما:
- أيذهب كل هذا الجهد سدى؟ ان الخبراء والمهندسين الانكليز ما انفكوا يرددون ان لا نفط كثير هنا وانهم بعد فترة قد يتوقفون للانتقال الى أرض أخرى.
فجأة جاء الجواب: لقد نطقت الأرض وتحركت الحجارة وعما قليل ستلقى الأرض كنوزها، وها هي الرائحة الغربية تملأ الصدور.. وبكلمات الحاج محمد خلف حصل التالي:
"شممت رائحة غريبة وبعد لحظات سمعت اصواتاً غريبة ثم تطايرت الحجارة وانبثق النفط".
"بينما كنت اراقب مطرقة الحفر لاحظت انها قد تزحزحت من مكانها، وعلى الأثر اخذت الحجارة والرمال تتطاير الى الأعلى مع الماء ومن ثم تدفق النفط بقوة محدثاً صوتاً مروعاً".
وفي هذه اللحظة كان الحفاران الانكليزيان ادمر ووينكر في النوم ولذلك، وعندما استيقظا على صوت الانفجار كانا خارج تلك اللحظة التأريخية، اللحظة التي شاءت مصادفة حكيمة ان ترصد بعيون عراقية وحسب، ولهذا اختصر ادمر ووينكر تلك اللحظة في السجل اليومي لهما بهذه الكلمات:"القيت العدة بعيدا عن البئر حوالي الساعة الثانية صباحاً بانفجار مدو".
"اوقفنا العمل بسبب الظلام وخطر الغاز.. لابد لنا من جمع الحفارين والعمال وانتظار ضوء الصباح، وقد جاء الصباح.. ولكن بعد كفاح مر".
استيقظ العمال الذين في الخيام.. لقد جاء صباحهم مبكراً هذه المرة، لطالما كان "الرزق" مقترنا بالفجر افيكون هذا هو رزق العراق في هذا الفجر المبكر.؟
كان العمال يقتربون من البئر مع المهندسين في محاولة للسيطرة على البئر في ذلك الظلام وبرد ليالي تشرين، لكن محاولاتهم كانت تبوء بالفشل، بيد ان هذا لم يفل عزيمة هؤلاء الرجال.
احد العمال اغمي عليه ثلاث مرات في تلك الليلة بفعل الغازات، لكنه ما ان يفيق حتى يعود للعمل، لكأنه كان يستعجل تسجيل دوره في تلك اللحظة التأريخية، الكثير من العمال تعرضوا للاغماء والاصابة بالجراح قبل ان يتوقف العمل بانتظار ضوء الشمس.تحت ضوء الشمس سيعرف الجميع ان بابا كركر شهدت اولى بئر للنفط في العراق، لقد هز الانفجار البيوت والخيم على بعد عشرات الكيلومترات من البئر، وانطلقت الشائعات مختلطة بالمعلومات عن الانفجار، وقبل ضوء الشمس كان العامل العراقي نعمة هواز يفرك يديه ويحتفظ لنفسه بفرح خاص:
- صباح أمس فقط تم تعييني هنا، سيقول الكل ان مجيئي كان فأل الخير!
وبعد ثلاثين سنة من تلك اللحظة كان يتذكر ويقول: تأريخ البئر الأولى هو تأريخ حياتي.
فقد تدفق الخير من الاثنين منذ التقيا.
في بغداد.. كان المستر "بل" مدير مكتب شركة النفط التركية في بغداد –لاحقا صار اسمها شركة نفط العراق- على موعد مع برقية عاجلة وشديدة التفاؤل: "تفجر النفط في بابا كركر وهو على عمق 1521 قدما.. انتاج البئر: 30 الف برميل في اليوم"!
ويبدو ان المستر "بل" كان من النوع المتشائم او الحذر فأبرق الى لندن يخبرهم ان انتاج البئر يبلغ عشرة الاف برميل في اليوم، لا (30) الفا!
وفي مذكراته كتب انه انطلق على الفور الى البئر "لكننا قبل بلوغنا كركوك بحوالي اثني عشر كيلو متراً شاهدنا ما حسبناه في بادئ الأمر صفاً من الاشجار الكثيفة، بينما هو في الواقع اعمدة من الدخان الذي ينشره انبثاق النفط في الجو ومن فوق الهضبة المحيطة بالبئر رأينا منظرا رائعا هو ذلك العمود من الزيت الأسود يرتفع الى علو خمسين قدما ثم يهبط على التلال المحيطة فيصبغها باللون الاسود كما صبغ المخيمات والرجال من مهندسين وحفارين وعمال". هذا المشهد الغريب على المنطقة ولّد عند الأهالي في المناطق المجاورة الكثير من المخاوف، وكان الجهل المستشري بين السكان ارضا خصبة لكل الخزعبلات، فقد انتشرت "اشاعة" مفادها ان انفجار البئر كان غضبا من الله على عباده لخروجهم عن الطريق السوي وانتشرت اشاعة اخرى عن استحالة اغلاق البئر وان مدينة كركوك ستغرق في هذا السائل الأسود، بل ان بعض اهالي كركوك حزموا امتعتهم واستعدوا للهجرة بعيدا عن هذا الغضب الاسود!
أما قرب البئر فكان النفط يتدفق بقوة وهدير مخيف.. وكان العمال يكافحون من أجل اغلاقه.. لقد مات اربعة في ذلك الصراع الرهيب، اثنان من العراقيين واثنان من الخبراء الامريكان، واصيب بالتسمم عشرات لكن العمل استمر..
على مسافة 40 ميلا من البئر المتدفق كانت مضارب خيام عشائر الجبور، بعد قليل سيأتي المستر "كنج" مع بعض العمال العراقيين لينخى رجال هذه العشيرة، والمستر "كنج" شخصية غريبة وملفتة للنظر وهو معروف بين عمال النفط، لقد جاء الى بغداد مع قوات الاحتلال الانكليزي عام 1917 وكان شابا اشتغل في مديرية الزراعة العراقية، ومن ثم في مزرعة الملك فيصل الأول في خانقين قبل ان يلتحق بشركة النفط، وفي اواخر خمسينات هذا القرن كان آخر انكليزي من الرعيل الأول لقوات الاحتلال بقي في العراق ولم يكن ينافسه في هذا اللقب سوى الميجر جادويك محكم سباق الخيل الشهير في العراق، لقد قضى في العراق اربعين عاما متصلة وعندما تقاعد وعاد الى لندن ماتت زوجته فعاد غريبا في وطنه ولم يجد أمامه سوى العودة الى العراق.
الى ربوع عشيرة الجبور وصل المستر "أليك كنج" وشرح لرجالها ابعاد الموقف وخطورة الزمن فيما لو بقيت هذه البئر متدفقة، وبسرعة فائقة كان هناك ثمانمائة رجل يضعون خطوتهم الأولى على درب المسيرة الشاقة، حيث لا وسائط نقل أو طرق مواصلات.
800 رجل هم الان في مسيرة غريبة يغذون الخطى في تلك الهضاب والسهول لنجدة اخوانهم العمال وسكان المنطقة، لم يكن ثمة من مجال للاحساس بالجو وتقلباته، فالسباق الان مع الزمن لانقاذ الآخرين، ولا يستطيع المرء ان يتصور الان كيف استطاع الثمانمائة رجل قطع الاربعين ميلا في رحلة متواصلة تقريبا استغرقت 22 ساعة!
وما ان وصلوا حتى بدأوا ببناء سد يحمي القرى والأراضي المجاورة من سيل النفط المتدفق وبسرعة عجيبة تم بناء السد، وبعد كفاح مرير استطاع العمال، هناك قرب البئر سد فوهته ووضع صمام الأمان الذي يسميه الحفارون فيما بينهم شجرة عيد الميلاد"!
لقد ارتاحت النفوس الان.. وآن للعمال والرجال المتعبين ان يمسحوا عرقهم وان يعلنوا دخول بلادهم واهليهم عصر الشبع والرفاه، لكن.. الكل يعرف بقية القصة!