اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
ابواب ضيقة على اتساعها
ابواب ضيقة على اتساعها
 نرمين المفتي
تبدو سلوى الجراح متمكنة جدا من ادوات السرد و هي تكتب روايتها السادسة ( ابواب ضيقة )  متحدثة باسم بطلتها  نوار حمدي الصاحب العراقية الجميلة التي تسرد قصتها منذ طفولتها لغاية استقرارها كصحفية و كاتية في لندن..و من خلالها حياتها ترسم صورة عن العراق الذي كان بكل القه والعراق الذي بدأ يضيق على مواطنيه. نوار و صديقاتها واصدقائها و انتمائها سرا الى الحزب الشيوعي ( و هذه النقطة الوحيدة التي ما احببتها بها ) و زواجها من زميلها الشيوعي فلاح المسعد و هروبها من اهلها للالتحاق به و من ثم افتراقها عنه و طلاقها منه.
بدت الرواية قريبة جدا مني لان احداثها تدور في مدن اعشقها  و هي البصرة و كركوك و بغداد و بيروت و براغ و لندن، بكل ما شهدتها هذه المدن دغدغت لي ذكريات بعيدة..
سلوى في روايتها تتعمد الى نشر هوامش، كأنها تريد ان تشرح لنفسها قبل القراء ما تسرده. هامشها الاول، مهم جدا لنا كعراقيين، يقول: "العراق الذي عرفت، كان فيه آلاف البشر الذين يعيشون في بيوت مريحة، ويحصلون على دخول توفر لهم الكثير من متطلبات الحياة. كانوا بمجموعهم وإختلاف امكانياتهم المادية يكونون ما كان يعرف بالطبقة المتوسطة، طبقة أصحاب المهن التي يتيحها التعليم الجيد، ولعبوا دوراً فعالاً في بناء العراق الحديث. كانوا يفاخرون بما حققوه وكثيراً ما يعلنون عن تخصصاتهم على اللوحات الصغيرة التي يعلقونها على أبواب منازلهم، المحامي فلان، والطبيب علان، والمهندس كذا. كانت مباهاتهم بمهنهم هو انتمائهم لهذه الطبقة، المنتجة المتعلمة. وكان الشباب يسعى للحصول على التعليم العالي، ليحققوا لأنفسهم ولأسرهم ما حققه من سبقهم في جامعة تعتبر من أهم الجامعات العربية. لكن ما مر به العراق عبر السنين، من متغيرات سياسية غيَّر الكثير من طبيعة المفاهيم السائدة. ظهرت طبقة تنتمي للسلطة الحاكمة، لا علاقة لها بطبيعة المجتمع العراقي، لأن انتمائها للحاكم فرزها عن كل ما حولها. طبقة تفعل ما يحلو لها، وتحصل على الامتيازات في كل شيء، وتتحكم بمن حولها. 
مع الأيام، أفرز وجود هذه الطبقة، شخصية الجاهل المستبد، الذي يخدم أصحاب، أصحاب المال والسلطة، الذي يسميه العراقيون بقدرتهم الفذة على إيجاد مسميات معبرة عن الواقع، "اللقامة"، الباحث عن اللقمة، بغض النظر عن مصدرها، أو وسيلة الحصول عليها. ومع تكاثر خدام السلطة ولقامتهم، لم يعد العلم ميزة ولا المعرفة أمر يستوجب الاحترام، وصار العمل والمثابرة لا يجديان في بناء الحياة الكريمة، واختفت الطبقة المتوسطة. تكاثر المال المبذول، وصار الهدف المنشود خدمة أصحاب المناصب والثروات، فهذا طبيب الحاكم وذاك مهندس قصره. تفشّى الفساد، وتكاثرت الشهادات المزورة التي تُشترى بالمال المسروق، وصار العراقيون إما فقير يشقى في لقمة العيش، أو ثري من أصحاب السلطة والمال."
هامش يختصر كارثة العراق بالقضاء النسبي على الطبقة المتوسطة التي صنعت بعض تاريخ العراق الحديث الذي كان. و في الرواية هذه الجملة التي اعتبرها وثيقة عن كركوك " هبطت الطائرة الصغيرة التي أقلت نوار وأسرتها من مطار كركوك التابع لشركة نفط العراق، على مدرج مطار المثنى ببغداد. انتقل عمل والدها إلى العاصمة، وانتقلوا معه كعادتهم مع بداية العطلة الصيفية إلى مقر عمله الجديد، العاصمة ".. هذا المطار الذي استحوذت مطارات في شمال العراق على ممراته الجوية و بقيت كركوك دون مطار مدني بعد 2003.