اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي
 يوم بكى رياض قاسم

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
عبد الزهرة زكي
 توقفت كثيراً قبل أيام عند صورة نشرها الصديق الشاعر نامق عبد ذيب، وكانت لبيته في مدينة الرمادي التي عاش فيها عمره كله ولم يفارقها إلا قبل أشهر إلى بغداد ثم مؤخراً إلى بلد مجاور منتظراً أن تتحرر مدينته ليعود إليها.
ما استوقفني في الصورة وأثار انتباهي وأملي الشديد هو الشبه الكبير الذي كاد يصل إلى الحد التطابق بين بيتي الذي أسكن فيه الآن في بغداد وبين بيت الصديق الشاعر في مدينته المحتلة.
نامق عبد ذيب شاعر غنيٌّ عن التعريف ليس في مدينته حسب وإنما أيضاً في عموم الوسط الثقافي العراقي الذي يحظى فيه باحترام وتقدير استثنائيين، ونادراً ما يتمتع شاعر عراقي بمثل هذا الاجماع الذي يبديه مختلف المثقفين حين الحديث عن نامق.
موهبته التي ظل مخلصاً لها وساعياً دوماً من أجل الحرص على تطويرها هي المدخل إلى تلك المحبة وذلك الاحترام اللذين يحتفظ بهما الجميع لنامق. إنه واحد من أكثر شعراء التحديث بين جيله في العراق عنايةً بنصّه ومراقبةً وتطويراً لتجربته واغناءً لخصوصيتها ولطابعها الشخصي.. وفي كل هذا ظل نامق هادئاً متوازناً في تقديم هذه التجربة بلا ادعاءات ولا تكلف ولا مبالغة قد يكون كثيرٌ منا ضحيةً لها في معظم الأحيان أو في  قليل منها.
لكن لنامق من الخصال الإنسانية الأخرى ما أكسبه ويكسبه دائماً محبة الآخرين من زملائه وأصدقائه وقرائه وممن تعرفوا أو يتعرفون عليه بشكل مباشر.
كلانا من جيل واحد، لكنّ تعارفَنا ابتدأ في مطلع الثمانينات عبر فعالية شعرية في بغداد كان نامق وعدد آخر من أدباء مدينته الرائعين قد حضروها، وكسبوا أثناءها حب واحترام الشعراء من بغداد والمحافظات الأخرى بما كانوا ينبئون عنه من مواهب ولما انطووا عليه من خلق رفيع وبترفعهم على تدافع كان يبديه آخرون من أجل التعبير عن ولاءات مطلوبة وغير مطلوبة في تلك السنوات.
طوال هذه العقود بقي نامق عبد ذيب ذلك الشاعر الزاهد بكل شيء والمترفع على الصغائر كلها. التقينا خلال التسعينات في أكثر من مرة كان قد زارني فيها في عملي في جريدة الجمهورية، كنت حريصاً على أن يكون لنامق حضوره في حياة الشعر ونشره، إنه واحد من قلة في جيلي في بغداد ومحافظات أخرى ممن نرتبط معاً بأكثر من وشيجة شعرية وثقافية وسلوكية، وكان هذا ما يجمعنا مهما بعدت بيننا المسافات ونأت بنا الأوقات وعصفت بحياتنا المشكلات.
في سنوات المحنة والعنف بقي تواصلي مستمراً مع نامق وأصدقاء آخرين في محافظات الغربية كلما كان الاتصال ممكناً، وكلما أتيح لأي منهم المجيء إلى بغداد، بيتنا أجمعين.
لم يطفئ قلقي على نامق حينما احتل داعش مدينة الأنبار سوى ظهور مفاجئ له على فيسبوك بعد انقطاع ليس قصيراً. عرفت في اتصال معه أنه في بغداد فعرضت عليه التشارك ببيتي وبخبزنا معاً. لست متفضلاً في ذلك، فلمرتين كنت قد شاركت عوائل لم أكن أعرفها السكنَ في شهربان وفي كنعان حين ارتحالنا عن بغداد في حربي 1991 و2003. وهذا التشارك هو مسؤولية لم يبخل بها أحد من العراقيين على أحد آخر.
كان نامق وعائلته قد استقروا في أحد أحياء بغداد، هجر مدينته وترك وظيفته مدرساً في معهد لإعداد المعلمين، وظل قلبه معلقاً عند معبر بزيبز مع أبناء مدينته الذين كانوا ينتظرون الدخول إلى عاصمتهم بحثاً عن أمان أضاعوه في أحيائهم وقراهم وبواديهم، ولم يكن لنا إلا أن نكون معهم مطالبين بتسهيل اجراءات دخولهم وتأمين عيش كريم لهم لحين تحرر الأنبار كلها من دنس المجرمين.
في كل هذه الظروف كان نامق عبد ذيب واحداً من أدبائنا الذين نجحوا في اجتياز محنة التعصب والانقسامات الحادة في النسيج المجتمعي. الحس الانساني الكبير الذي يتمتع به والمدعوم بوعي مدني ونضج فكري منفتح والمهذب بتربية عائلية وبتقاليد وطنية سامية هي بعض مما أهّل الشاعر ليظل محتفظا بهذا التوازن الدقيق.
إنه ابن مدينته وهو ابن البلاد، وهو المخلص لعائلته ومكوّنه اخلاصَه للعراق كله. دائماً ظل ينظر ويتأمل ويصرّح بما يعزز هذه الصورة المتوقعة منه، ومثلما نعمل جميعا فقد نأى بنفسه عن أي قول وسلوك وتصرف من شأنه أن يغذي الشراهة المتفشية نحو مزيد من التمزيق والتطاحن والتكاره، هذه الشراهة التي سُخِّرت من أجلها أشداق وأقلام وصحف وفضائيات ودول خلال سنوات كان القابض فيها على تماسكه كالقابض على جمر.
حين تحدثت مع نامق عبد ذيب عن صورة بيته في الرمادي وعن مدى الشبه التصميمي بينه وبين بيتي في بغداد فوجئت وتألمت كثيرا لما عرفته منه.
إنه بيت العمر الذي انتهى من بنائه قبل شهرين من دخول داعش المدينة وهجرة أهاليها عنها. عند الانتهاء من البناء والإنتقال إلى البيت كان الارهابيون قد احتلوا مدنا وقرى من محافظة الانبار، وكان حصة البيت حينها أن يأوي عددا من العائلات القريبة لعائلة نامق حيث عاشوا الشهرين معاً على أمل أن تتحرر مدنهم وقراهم ليعودوا إليها. لم تتحرر تلك المدن والقرى وإنما أُسقطت معها مدينة الرمادي، قلب الأنبار والأنباريين، بأيدي المجرمين، ولم يعد أمام الأهالي سوى الطريق إلى بغدادهم، بيت العراقيين كلهم.
هجر نامق مدينته وبيته الذي لم يكن قد ارتوى منه ومن الحياة فيه بعد.
كنت أتحدث مع نامق وكنت حينها أستعيد هول المعاناة، فظاعة أن تكون عائلة خارج منزلها اضطراراً لا اختياراً. لقد عشت التجربة، إنما لأسابيع، ولم يكن الأمر بهذا الهول الذي تعانيه عشرات آلاف العائلات التي نكبت خلال هذه السنوات بالتهجير وضياع الأمل وبانعدام ظروف الحياة الانسانية.
نامق الآن في بلد مجاور.. مسؤوليته عن أمان عائلته واطمئنانها لا يعادله سوى انتظار لحظة تكون فيها مدينته حرة وآمنة. لا نيبغي لهذه المعاناة أن تطول. ولا ينبغي للعراق أن يستمر على هذا الحال الذي هو عليه منذ عقود؛ مكان لمغادرة المهاجرين والنازحين والهاربين من ظلم أو قتل إلى حيث أرض الله التي أخذت تضيق.
ليس نامق وحده ينتظر عودته إلى العراق، نحن أيضاً ننتظر اطلالة شاعر عذب ومواطن لا مقام له سوى هذه الأرض.