اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
 رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
هل يحدث شيء من لاشيء
هل يحدث شيء من لاشيء
احمد خلف
  هل يمكن خلق شيء من لاشيء ؟  لقد امضيت في هذه المحاولة عشرات السنين لكي أصل الى درجة اكتب فيها نصا قصصيا أو رواية من لا شيء..
لاشيء محدد ومعلوم , أي ان يكون هذا اللاشيء شيئا ماديا ملموسا في نتيجة محاولاتي  يمكن ان يقرأ..
 اي يستمتع به القراء ويثير في نفوسهم الأسئلة ويحركها في رؤوسهم ويصبح حقيقة واضحة المعالم تماما, واللعب في مفهومه الخاص ليس التخلص من عبء الوقت أو هيمنة الزمن على ارواحنا، بل هو في أرقى اشكاله, البحث عن صيغ جمالية متقدمة لانتاج ثقافة أو فن غير تقليدي، أي غير جامد نتجاوز من خلاله الثوابت التراثية القامعة للفن وتجريب الأشكال الجديدة التي تحفزنا على التجانس مع حياتنا حتى لو وجدناها مجرد حياة يكتنفها الغموض والسرية وسيطرة رؤوس الأموال المنهوبة من خزينة الدولة, نحن نطمح الى التوصل الى صيغ متطورة مناسبة لعصرنا الذي نعتز بأننا ابناؤه المجددون في التركيبة الفنية والجمالية لمعنى الحياة, حياتنا التي نريد لها ان تكون جديرة بنا ونحن جديرون بها..
كثير من الأشياء يغرينا على اللعب معه, سواء من الحيوان أم البشر واكثر الأشياء مدعاة للعب أو العبث بصيغة مقبولة, هي الكتابة الابداعية ومن خلالها نستطيع العبث بالأشياء المحيطة بنا مستخدمين اقصى درجات براعتنا في التمويه والمخاتلة والضحك مع الآخرين, فبقدر ما يدعي البعض انه اصبح سجلا لتأريخ وحياة شعب من الشعوب نراه في بعض الاحيان  يتجلى بمقدرة هائلة على التمويه وعلى العبث بمقدراتنا اذا ما جعلناه محط انظارنا من حيث هو عالم مغاير للذي نقوله الآن, بهذا سوف ندرك كم يبدو اللعب ينطوي على مديات متعددة ليس اقلها انصياع اللاعب الى اللعب فقط، بل سنراه يتمادى في لعبه الخطر (ما الذي تستطيع الرواية ان تفعله وسط هذا الاندفاع المحموم لعبث الآخرين بنا وبمصائر ابطال الروايات الذين هم نحن بشكل أو بآخر, مصائر تنتهي بالقتل على الهوية أو الاختطاف أو الهجرة  نحو المستقبل المجهول؟) , ولكن العلم الذي نؤمن به يحدثنا في احدى قواعده الرصينة التي تعلمناها في أولى مراحلنا الدراسية تقول القاعدة العلمية تلك ألا شيء  يستحدث أو يخلق من العدم, هذا صحيح جدا ونحن نؤمن بهذه القاعدة التي تعلمناها من قبل, فكيف اذن  يحدث هذا وسوف نرى الى اي مدى سيتطابق قولنا هنا مع القاعدة العلمية تلك؟ نعم في الثقافة والأدب عموما  وفي الكتابة السردية خصوصا يحدث ما لا نتوقعه, فالشخصية التي نحن بصدد تكوينها قد تنقلب علينا وتتمرد في منتصف الطريق (اي في منتصف الرواية التي نحن بصدد كتابتها) ونبدأ بالبحث لها عن تبرير يقنع القارئ, ان هذه الشخصية ستعود القهقرى ثانية الى سابق عهدها من حيث هي شخصية سوية، لكنها في الأخير تظل تتمرد علينا وتفصح عن الكثير من صيغ التمرد, يقال في عمل من هذا النوع محاولة لتبادل الأدوار أو قلب نظام الاشياء داخل النص القصصي والروائي نريد ان نقلب نظام الاشياء لكي  نغير قواعد اللعبة, وهي تغرينا في اللعب، ان نلعب كما نريد وقد ادركت ان ذلك ممكن تماما اذا ما فكرنا باللعبة جيدا وكررتُ عملية اللعب ونجحتُ في احدى المرات ولم يكن ثمة شيء يلزمني الاعتماد عليه أو الأخذ به وبقواعده مرة واحدة سأعود اليها حتما ولقد كان الدور المؤثر في هذا كله للخيال وحده, تلك حكايتي مع خوزيه سارماغو الذي التقيته في تونس وجرى بيني وبينه حوار طويل عن رجل يريد الحصول على قارب من الملك الذي سخر من الرجل الذي يريد قاربا لكي يكتشف ثمة جزيرة مجهولة, كل ذلك جرى في قصتي (رجل القارب) التي جعلت القراء في حيرة من أمرهم وهم يتساءلون: ان كنت حقا قد التقيت ساماراغو في مطلع تسعينات القرن العشرين أم أني استخدمتُ براعة الخيال في لعبة ضاعت فيها الحقيقة بين الواقع وبين الافتراض او الخيال ولا يحدث هذا الا في الأبدع اي في الكتابة الروائية تحديدا, حيث لم يحدث ان التقيتُ خوزيه سارماغو ولو لمرة واحدة وافترضت داخل النص القصصي الذي كتبته عن سارماغو انه اي سارماغو يرفض مناداته بخوزيه لان في اسبانيا والبرتغال أكثر من مليون ونصف شخص بأسم خوزيه, ولكن غابريل غارسيا ماركيز يحدثنا في معرض حكاياته العديدة المدهشة ان ثمة عجوزا استيقظت صباح احد الأيام ولم يكن ثمة شيء قد حدث وحالما ادارت عينيها فيما حولها , قالت: اليوم سيحدث شيء.. لابد من ان شيئا ما سيحدث ولا مفر من حدوثه, ولما سمعها ابنها قال: آه لابد أن ثمة شيئا سيحدث اليوم فعلا (مع ان اي شيء لم يحدث قبل هذا الافتراض الذي اشاعته العجوز) .. ولما انتقلت الحكاية الى قصاب القرية قال نعم لابد ثمة شيء سيحدث, تلك الأثناء كان الخبر قد انتشر في القرية كلها, راح الجميع يقول ان شيئا ما سيحدث, وبادر احد الرجال الى الهرب خارج القرية خشية من حدوث شيء اكبر من طاقته, لم يمض وقت طويل الا وكان من المقرر ان يغادر القرية عدد آخر من العوائل والرجال, حتى اذا انتبه أحدهم الى انه ليس صحيحا ترك البيوت وما فيها  للغرباء الذين قد يستفيدون من تلك الأغراض في البيت, عندئذ قام بحرق بيته نكاية بالغرباء اذا ما أتوا الى القرية بغيابه, فما كان من بقية رجال القرية الا ان احرقوا بيوتهم لكي لا يدعو الغرباء يستفيدون منها, عندها شاهدتْ العجوز كيف ان النيران راحت  تلتهم القرية قالت: ألم أقل لكم ان ثمة شيئا سيحدث؟