اقرأ في هذا العدد
 
 




افكار
 
حكاية حياة
حكاية حياة
 كاظم حسوني
كنت في صباي أستمع لجارنا الشيخ من وراء الجدار وهو يرتل القرآن عند المساءات، فأنصت بشغف ولهفة لصوته الرخيم، ولفرط عذوبته راح يتسرب في نفسي جمال الترتيل، موسيقاه، ولحنه الحزين، كنت كلما استمع الى الشيخ التصق بالجدار أنصت لصوته الشجي، فيرق قلبي من دون أن ترقى مداركي بعد الى فهم اغراضه ومعانيه، ولما استحوذ علي القرآن، تمنيت ان يفتح الله لي، وأفوز بجمال ترتيله فصرت أرتل كل آن بعض الآيات، لكن سرعان ما عدلت عن الترتيل، وقد عرفت ان الطريق الذي أسلكه لا يفيد، اذ انني لم أرزق بالصوت الرخيم، فضلاً عن جهلي بقواعد الترتيل، فأرتدت رغبتي أمنية في الضمير، سحرها لا يزال عالقاً في نفسي، ولما رحل الشيخ قارئ القرآن الى مثواه الأخير، حزنت وتألمت لأنني لم أعد اسمع ذلك اللحن اللذيذ الجميل، الا ان صورته الساحرة ظلت حية وشاخصة في خيالي الصغير، أتخيله وهو في جلسته أمام القرآن وكياني يتسمع ترتيله الجميل، أتخيل قسمات وجهه السمح النبيل، فتتساقط دموعي مرات وأنا أستحضر تعبيره الشجي الحزين، صورة الشيخ تلك التي لونتها الطفولة بأطيافها الساذجة، شكلت محور اهتمامي بالقرآن بعدئذ، فأخذت اسمع الترتيل من القراء، أو التلفاز أو المذياع، فالتذ، وأتأمل واشتاق لسماع أكثر، لكن تلك أيام خلت، ومرت الأعوام وظل القرآن عابقاً ساكناً في ضميري وراسخاً في نفسي، قرأت تفسيره، فتجلت لي أكثر معالم الجمال فيه، وتغير فهمي، مدركاً بعض مراميه ومباحثه وشيئاً من صور اعجازه، وصوراً شتى عنه، تلامس الوجدان وتحرك المشاعر، كنت ومازلت كلما تصفحته أتملى آياته الفريدة، أتحرى الفاظه ومعانيه، مثلما تعودت ان أعكف عليه في كل رمضان، دائماً أجدني منبهراً في كل مافيه، خاصة الجمال الكامن في صميم النسق القرآني ذاته واسلوب التصوير الذي يعبر بالصورة الحسية المتخيلة عن المعنى الذهني، فاذا الأشياء ماثلة أمامنا حية ومتحركة، ففي القرآن حياة، وحكاية حياة.