اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
 رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
الكتابة... الحاجة والاستعمالات الثقافية
الكتابة... الحاجة والاستعمالات الثقافية
علي حسن الفواز
 كلنا نكتب، لكن ليس كلنا من يستعمل الكتابة للتأثير على الآخرين، وفي تشكيل أفكارهم ووعيهم، وفي صياغة الرأي العام الذي يؤثر على القرارات والمواقف السياسية والاجتماعية، فضلا عن استعمالها للتواصل، والإثارة، فالكتابة هنا تتحول الى رسالة، والى قوة، والى لعبة أساسية كما يسميها هيدغر في تحديد ملامح الوجود.
غريزة الكتابة هي الشغف بها، وفي وضع حمولاتها الرمزية في النسق الثقافي، لأنها تعني السيطرة على الشفاهية، وعلى صناعة الأثر، وربما السيطرة على تدوين التأريخ، فالتأريخ لايعدو هنا سوى أحداث مكتوبة، أو أحداث لها شاهد، ولها بَينة وتوصيف..
لكن سؤال الكتابة الأكثر حضورا يتعلق بالاستعمال الثقافي، والذي تحوّل عند علماء الالسنيات الى مشغل فائق الخطورة، إذ هو يُعنى بمفاهيم التواصل التي حددها دوسوسير، وشكلوفسكي في بداية القرن الماضي، لكن ماحدده تشومسكي يظل هو الأخطر، لأنه يزاوج صناعة الرسالة مع صناعة النص الجمالي/ المعرفي عبر أقنوماته الستة، وهو مادفع غريماس لإختصارها، لكي تكون أكثر تأثيرا، وأكثر تعبيرا عماهيات التحوّل في اللغة عند لحظة كتابتها، والذي يعني وضع المادة اللغوية المكتوبة تحت سلطة القارىء، بوصفه المُفسّر والمُؤول، والذي عبّر في جوهره عن التحولات الكبرى للحضارات والمدن، مثلما اعتمدته الرسالات السماوية التي تَعني وجود الآخر، المؤمن المريد، والمارق الذي يحتاجه لكي يُعاد الى السياق، والى استعمال الرسالة وتوظيفها..
 البحث عن  هوية  للكتابة هو ذاته  البحث عن وجود  هذه  الكتابة، لان هويتها تعني ذاكرتها وتأريخها، وحتى حضورها الدلالي والتعبيري، ولعل فكرة  هيدغر عن  الكتابة التي تعني وجود  الانسان  تمثل تصويبا  لكل موروث  الشفاهيات التي ربطت تأريخ الانسان بالغياب.. الكتابة هي الشاهد على حضور هذا  الانسان وعلى قوته الفاعلة في اسناد الوجود والتدوين والتواصل.. فاعلية  الكتابة هي التعبير  عن اللحظة  التاريخية التي اسست لوجود الانسان على الأرض، لانها لحظة تدوين وعيه بهذا  الوجود، ومحاولته للاحتفاظ بايقونية للفكرة والصورة، اذ ان  الكتابة هي اول ايقونة صنعها الانسان، وربما هي اول علامة على تدوين وعي حقيقي له   بصناعة  الارشيف، أو مواجهة  العدم.
الكتابة في هذا السياق تعبير عن حيوية التفكير، وعن الاشهار الحقيقي لمحمولات  هذا  التفكير ومكوناته ومفرداته، اي  انها ممارسة في الكشف عن عوالمه  وسرائره ولغته، وهو مايمنحها  قوة  تعبيرية، أو  يضعها في سياق فكرة  البيت الانطولوجي  الذي تحدث عنه هيدغر كثيرا.. 
هذا  التوصيف هو مايجعل الثقافة  المحلية  بمحمولاتها ومفرداتها ورموزها اكثر المكونات تعريفا  بموجودات البيت  الثقافي اللغوي/ الشعري/ السردي/ البصري، والبيت  الوجودي.. اذ تمثل فكرة  التعرّف كشفا للراسب اللاوعي في الكتابة، وتماهيا مع تبديات وجودها في  الواقع والحياة وفي  اثراء وأنسنة المحتوى  اللساني الدلالي والتداولي.. ولعل كتابات نجيب محفوظ  الروائية دليل على فعالية توظيف  البيئة والمتخيل الاجتماعي والسيرة، فضلا عن استغراقها في كشف العلاقات الاجتماعية في المكان المديني، وفي التعبير عن تمظهرات الشكل الاجتماعي والعمراني والمعيشي، وكذلك التقاط مفردات الناس في مدينة ساحرة وشعبية مثل القاهرة  وضمن الانخراط في  سياق  سردي فاعل، وهذا ما اعطى لرواياته  حضورا  انسانيا وتأريخيا وتعريفيا، واسهم من خلالها في  التعرّف على صور وتفاصيل هذه  المدينة  بوصفها  الواقعي او التخيلي السردي. وكذلك العديد  من الكتابات الروائية والقصصية العراقية بدءا من غائب طعمة فرمان الذي استعاد المكان البغدادي بوصفه ذاكرة ووجودا، وانتهاء بمحمد خضير وفاضل العزاوي اللذين يستعيدان المكان بوصفها نصا سحريا،  فضلا عن التقاط  الكثير من خفايا عوالمها ويومياتها الصراعية والمهمشة، وكذلك الكتابات القصصية لعبد  الملك نوري الذي زاوج بين المتخيل الشعبي والواقعي، واعطى لمفهوم الواقعية النقدية مستوى من الاشتغال السردي بكل مرجعياته ووظائفه، واحسب ان الكتابات القصصية والروائية لفؤاد  التكرلي تمثل الارهاص العميق للشخصية البغدادية بكل محمولاتها  الصراعية والعلائقية، ولعل روايته (الرجع البعيد) تمثل اكثر الروايات العراقية اقترابا من السسيولوجيا الصراعية للشخصية البغدادية، وملامسة فواجعها في ضوء اصطدامها بالمهيمنات  السياسية القامعة، والتي بدت وكانها المجس السردي الذي فجّر مكنونات الشخصية لتكشف عن رهابها الداخلي، وعن محنة وجودها ازاء  هيمنة القمع المركزي، الذي يصنعه رعب السلطة. ونجد ايضا في كتابات غانم  الدباغ لاسيما في روايته الرائدة (ضجة في ذلك الزقاق) اضطراب  الشخصية المثقفة وهي تعيش مواجهة محنتها مع الآخر السلطوي، اذ ينعكس تشوه المعطى السياسي السلطوي على تشوه الشخصية والكشف عن هشاشتها وخوائها الداخلي، وصولا  الى كتابات علي بدر، تلك التي اسهمت في  تقديم تمظهرات سردية لمظاهر الصراع  التي تعيشها حيوات ضاجة في المكان المحلي، من خلال الكشف عن موجهات هذا الصراع، وتعالقها بانماط معيشة شخصياته وفي توظيف  لهجته  المحلية، وبطريقة اغنت  النص من جانب، واعطته نوعا، عبر اصطناع نسق صراعي يقوم على استعادة الوثيقة والتاريخ واليوميات، وادراجها في سياق سردي يتضح فيه الكثير من المستويات الصراعية،  فضلا عن انشدادها الى صورة من الحميمية التي تعطي للشخصية هويتها في المكان، وفي ان يملك  خصوصية صراعية تضع  الواقع في سياق ثقافي واقعي وسياق  سردي اكثر اثارة واكثر تفاعلا.. وكذلك يمكن الحديث بشكل استثنائي عن  تجربة  الشاعر بدر شاكر السياب  التي اسبغت على  المفردات المحلية في بيئته  المائية والواردة  في قصائده نوعا من  التسحير الشعري، والاسطرة  التي جعلت هذه المفردات تكتسب  بعدا عالميا وانسانيا، لانها تتمثل روح الانسان واسئلته  الوجودية، والتصاقه  بعوالمها ويومياته  الدافقة، اذ تحول بويت  الى نهر اسطوري، ونخيل  البصرة الى نخل كوني، ووفيقة  الى امرأة عابرة للاسماء وشنانيل ابنة  الجلبي  الى مكان مشحون بالسحر والتعالي..
هذا  التوظيف  هو تعبيرا عن قوة  الوعي في ايجاد  تعالق مابين  المفردة المحلية، والسياق  الثقافي، وبما يمنح هذا  التوظيف بعدا جماليا ولسانيا، فضلا عن  البعد  التشكيلي  الذي يجعل من  المفردة اشبه  بالوحدة  البصرية  التي تضىء مكونات  المشهد، وتفتح  أمام النقد  والقراءة مجالا  للكشف  عن الأثر من جانب، وعن اغواء  القارىء الآخر في ان يجد في هذه  المفردات كشوفات سحرية عن عوالم غامضة واقنعة من  الصعب التعبير عنها خارج هذه  الوظيفة  اللسانية الساحرة.