اقرأ في هذا العدد
 
 




على ضفاف الذاكرة
 
السيد لالنكي
السيد لالنكي
  عبد عون الروضان       
 تقول إحدى أساطير الصين القديمة إن أباطرتهم كانوا مولعين إلى درجة مفرطة بأكل البرتقال.. ولهم الحق في ذلك فلا أحد يستطيع أن يمنع أحدا من التمتع بشهيته بالشكل الذي يراه ويعجبه، خاصة أن البرتقال فاكهة لذيذة ذات طعم رائق يحبها الجميع، فكيف بالأباطرة الذين ليس لديهم اي هَم أكثر من التمتع بالطعام والشراب.
 لكن الأباطرة المحترمين كما تقول الأسطورة بدأوا يسأمون من تقشير البرتقال في عملية تثير الأعصاب وتؤخرهم عن أكل البرتقال الذي يحبونه أكثر من أي شيء، لذا عمد الخدم والحاشية إلى تقشير البرتقال وتقديمه على شكل فصوص في أطباق من الذهب والفضة.. 
 وارتاح الأباطرة لهذا الإجراء وبدأوا يمارسون هوايتهم في أكل البرتقال دون الحاجة إلى إتعاب أنفسهم بالتقشير.. لكن ذلك كما تقول الأسطورة أيضا لم يستمر طويلا فقد تطرق السأم إلى نفوس الأباطرة مرة أخرى واشتاقوا إلى التقشير لأن فيه بعض التسلية بالنسبة لهم فما العمل إذن؟  
 هنا تقول الأسطورة إن ذهن الحاشية وخبراء الزراعة تفتق عن استزراع نوع جديد من البرتقال سهل التقشير سموه الماندارين ففرح الأباطرة بهذه الفاكهة الجديدة التي توفر لهم لذة التقشير وسهولته في آن.
 الماندارين كما ــــ يقول علماء الزراعة ــــ انتشر في كل أنحاء الأرض بمواصفاته تلك فزرع في منطقة الشرق الأوسط وسماه البعض في مصر يوسف أفندي ويسمونه في الأردن كلمنتينه أما في العراق فنطلق عليه اسم لالنكي ...
  في موسم البرتقال يملأ السيد لالنكي الأسواق من دهوك شمالا حتى الفاو في البصرة جنوبا .. كرات صغيرة صفراء أو برتقالية اللون ذات قشور فضفاضة تخفي في داخلها ثمارا صغيرة بالنسبة إلى ردائها.. ذات طعم حلو، وهي سهلة التقشير لا يكلف أكلها عناء، خاصة بالنسبة للأطفال الذين باستطاعة الواحد منهم أن يأكل خمسين حبة في خمسين دقيقة.
   ولكن ألا ترون معي أن السيد لالنكي هذا يشبه إلى حد كبير جدا البعض الكثير من الحكام العرب الذين لا يضمون داخل ثيابهم الأنيقة والفاخرة سوى جسوم  تافهة ولا يخفون وراء جسومهم تلك سوى عقول العصافير وضمائر ميتة.
  كلما حل علينا  السيد لالنكي ضيفا محترما وأمسكت بين أصابعي بثمرة يانعة منه وقشرتها بسهولة تذكرت أولئك الحكام الجوف الذين نسوا أن شعب العراق بالعرب والكرد والتركمان والأيزيديين والكلدوآشوريين والصابئة المندائيين قد تخصص في تقشير الماندارين أو اللالنكي وغير الماندارين أو اللالنكي وحتى جوز الهند وقد استطاع سلخ جلود الكثيرين منهم وهتك براقعهم وأظهرهم عراة كما ولدتهم أمهاتهم أمام شعوبهم وأمام الجميع .
  إن شعبنا هذا الذي عرفتموه جيدا أيها الحكام الجوف يعرف أنكم لستم سوى ثمار خاوية لا تحوي من اللب إلاّ القليل.
معذرة للسيد لالنكي النبيل ومعذرة لأباطرة الصين القدامى المحترمين جدا..