اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
سجن بورت الرهيب متحف لهمجية القرون الوسطى
سجن بورت الرهيب متحف لهمجية القرون الوسطى
 صلاح حسن
في الوقت الذي تحول فيه أوروبا سجونها إلى متاحف، تبني بلداننا العربية المزيد من السجون. وفي الوقت الذي تتسع فيه حرية المواطن الأوروبي إلى درجات تكاد تكون خارقة في تخطيها للموروث البشري على الأرض، تتراجع حرية المواطن العربي إلى ما تحت الصفر. هم يعرضون تأريخهم الأسود الذي عاشوه في القرون الوسطى بكل ويلاته وبشاعته ويقدمون الدليل تلو الدليل على نبذه والاستفادة من أخطائه، ونحن نتشبث بقشور تأريخنا مبتعدين عن الجوهر المشع من هذا التأريخ وكأن تأريخنا تأريخ للفقه والمحرمات حسب.. فلا علوم لدينا ولا ثقافة ولا مدنية ولا عمران. تقول كتب التأريخ إن العرب في القرون الوسطى كانوا الرواد في كل المجالات وكانت حضارتهم حضارة الكتب والتأليف والفلسفة بكل جدارة، في حين كانت أوروبا تغرق في ظلام دامس. فلماذا تقدمت أوروبا وتأخر العرب؟ لماذا أصبح العد تنازليا بالنسبة لنا وتصاعديا بالنسبة لأوروبا ؟ أين الخلل؟ هل هو في العقل العربي الراهن.. في الدين.. في الثقافة.. أم في السياسة أم في الاقتصاد؟ 
أسئلة كثيرة تزاحمت في ذهني وانأ ادخل سجن (بورت) في وسط العاصمة لاهاي الذي تحول منذ فترة طويلة إلى متحف وغادره آخر سجين في بداية القرن التاسع عشر. دخلت  كسائح وليس كمجرم.. المسافة بين المتحف والسجن شاسعة والقدرة على اختزال هذه المسافة الشاسعة لا يمكن أن تكون اعتباطية. لقد استغرق هذا الاختزال اربعمئة سنة من الموت والاقتتال والتناحر في أوروبا وسالت من أجله الكثير من الدماء، ولكنه أثمر في النهاية سلاما ومحبة ووعيا صادقا في صناعة الإخوة الإنسانية. فهل نحتاج نحن العرب إلى اربعمئة سنة لكي نحول سجوننا إلى متاحف؟.
ذات يوم كنت احضر تظاهرة هولندية بالقرب من البرلمان ورأيت المتظاهرين يحملون صورا كاريكاتيرية لرئيس الوزراء بهيئة قرد كتب عليها (ارحل فأنت لست بمستوى المسؤولية)، فأخذتني أحلام اليقظة بعيدا وتخيلت إني احمل هذه اللوحة في اكبر ساحات بغداد بانتظار الحيوان المخلوع لكي يشاهد هذه اللوحة بنفسه فربما يخجل من تفاهته ويرحل بالفعل. أحلام يقظة لن تتحقق ولن أراها أو يراها حتى أحفاد أحفادي.. ولكن لنعد إلى هذا السجن الرهيب الذي تحول إلى متحف عجيب.  
بني هذا السجن سنة 1370 واتخذ اسمه من البوابة الكبيرة فأصبح اسمه سجن البوابة. في العام 1420 يتوسع وتضاف له بنايات جديدة كزنازين. تكمن أهمية هذا البناء انه كان يربط مقر السلطة في ذلك الوقت بالقرية التي كانت لاهاي العاصمة السياسية كمركز تجاري وسياسي . وكانت في اعلى البناية غرفة للمراقبة ترتبط بالبناية عن طريق سلم حلزوني. أما في العام 1435 فقد أضيفت إلى البناء غرف للسجناء وأخرى للفرسان والنبلاء وكانت في الطابق الثاني حيث بنيت منارة للمراقبة تتصل بسلم حلزوني ضيق يرتفع إلى أعلى مكان في البناء. وما بين 1517 إلى 1535 بني قاطع طويل وقسم إلى زنازين صغيرة ليستوعب السجناء الجدد وقبو يحمل تسمية شاعرية للغاية هو  (قبو الألم) يعلق فيه السجناء بسلاسل من إعقابهم أو إطرافهم لفترة طويلة حتى يعترفوا بما اقترفت أيديهم!!
كما تحتوي البناية على محكمة خاصة وزنازين انفرادية تحت الأرض وأدوات تعذيب مرعبة وفريدة من نوعها مثل الكلابات والسلاسل وأدوات لفقئ  العيون ومثاقب وأحزمة ضاغطة. أشياء مرعبة لا يمكن التفكير بها في وقتنا الحاضر لأنها ابعد ما تكون عن الضمير الإنساني.. فضلا عن قانون عقوبات قرون الظلام القروسطي الأوروبي  معلق على جدران السجن يتضمن عقوبات قاسية تصل إلى قطع الأطراف والأيدي. زيارة هذا المتحف ستبين للزائر كيف تعامل مديرو هذا السجن مع المجرمين والمتمردين السياسيين في القبو الخاص بالتعذيب الذي تثير رائحته الرعب والاشمئزاز. المفارقة العجيبة ان يكون مبنى البرلمان مقابلا لهذا السجن الرهيب ولا يبعد عنه سوى أمتار قليلة وكأنه يريد ان يذكر الحكومة بالفظاعات  التي ارتكبتها الحكومات السابقة. 
يبلغ سمك جدران هذا السجن مترا واحدا، ما لا يتيح أي مجال للهرب عن طريق الحفر. وهناك زنازين انفرادية للقتلة وأخرى مخصصة للمناوئين الكاثوليك الذين اضطهدتهم الدولة الهولندية البروستانتية في ذلك العهد وقتلت الكثير منهم. كما توجد ممرات ضيقة يحجز فيها عتاة المجرمين الذين لا تقدم لهم اية مساعدات وينامون على الأرض الحجرية الباردة ويقدم لهم الطعام من فتحات صغيرة اصغر من اليد البشرية.
حينما خرجنا من السجن – المتحف تلقفتنا الحياة الجميلة كأنها ترحب بنا وتلقفناها ونحن نخرج من التأريخ الأسود إلى سعادة الحياة المضيئة وعاودتنا أحلام اليقظة.. هل استطيع ان امشي هكذا في اليمن أو في العراق أو في مصر أو في السعودية أو في سوريا او في ..... ؟؟
وترى السلطات أن هذه الخطوة تمثل مستقبل المرافق الإصلاحية في البلاد،  وتمتاز بقلة التكلفة والكفاءة العالية وأهم شيء في ذلك المحافظة على آدمية السجناء وعدم الاعتداء على حقوقهم الأساسية.
من المقرر في الوقت الحاضر أن يتم إسكان ستة سجناء في كل زنزانة، وسيكونون مسؤولين عن إدارة شؤونهم من الطبخ إلى المسح  والى تنظيم جدول أعمالهم من خلال شاشة تعمل باللمس موضوعة في أسفل الأسرة.
إلى جانب ذلك تم تزويد الزنزانات بمكبرات صوت تقوم بنقل المعلومات إلى مركز مراقبة السجن، الذي يحتوي على برامج تحلل درجة الصوت ونبرته لتنبيه الحراس في حالة حدوث مواجهة عنيفة بين السجناء.
يتوقع المسؤولون في السجن أن تساعد هذه التقنيات الحديثة من الحد من تكلفة المراقبة، حيث ستصل الكلفة المقدرة عن كل سجين ما يقرب من 125 دولارا عن كل ليلة وذلك بدلا من 170 دولارا. نحن نتمنى في البلاد العربية ان تذهب الدولارات إلى الجحيم وان يذهب النفط كله إلى الجحيم وان تذهب الدكتاتوريات كلها إلى الجحيم ونسأل الله العلي القدير ان يمن علينا بالسلام والأمن والحرية والديمقراطية قبل ان تمر اربعمئة سنة على بلداننا المغلقة فنحن لا نريد ان نكون خارج التأريخ الذي ساهمنا بصنعه.