اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
عندما أسرني "بورخس"
عندما أسرني
 عادل عبد الله
بالطريقة ذاتها، تلك التي رأى (خورخي لويس بورخس) أنها الأكثر حكمة وشجاعة لوضع نهاية سعيدة لحياته العجيبة، سأضع النهاية ذاتها لرجل غريب كان أسمه (عادل عبد الله)، ولِدَ في العام 1955 ولم يزل الرواة مختلفين في تحديد عام صحيح لموته، تماما كما اختلفوا من قبل في شأن بورخس، إذ أنه لم يمت في العام 1986 كما أشاع الرواة ذلك، إنما غادر الحياة قبل نحو عقدين في الأقل.
ولأن الرواة  يكذبون دائما، ولأنه كان صادقاً معي على الدوام، فليس لي أن أصدق أنّ ذلك العام الذي لم يمت فيه أحدٌ من الارجنتينيين في (جنيف) كان عاما صحيحا لموته.
هذا ما أسرّ به الي بورخس في أحدى متاهاته، مضيفا على سبيل صدقه: لو كان الأمر كما قيل لك، لما ادّعيت ان ميتتي كانت عظيمة فريدة ومشرّفة.
ولأنني كنتُ مغرما بذلك النوع الفريد من حياته وموته، فقد هداني الى وصفة سحرية قد تقودني باتباعها الى بلوغ نوع ميتته.
إنها محض أحجية مبثوثة هناك بين أسفاره المقدسة، أو فلنقل انها متاهة ليس من السهل على أحد بلوغ مخرج منها، إلاّ إذا كان قادرا على الظهور في مكانين مختلفين في الوقت ذاته، تماما كما كان بورخس يمارس اللعبة هذه على الدوام، إذ أقسمتْ زوجته أنه حين كان نائما معها ذات يوم، كان ينزف في الوقت ذاته من شظايا أصابته في (نهر جاسم) حيث أبتلي الجميع هناك بالعمى وكان صاحبي هو المبصر الوحيد.
لم يكن (خورخي لويس بورخس) صديقا مقربا فحسب، انما كان خدينَ روحٍ وقرّة عين، كنّا نغير معا على المكتبات والكنائس، نجوب المعابد المقدسة كي ننفض الغبار عن ثياب تماثيلها الممزقة، ثم ننحر الأضاحي تحت اقدامها علّنا ندخل السرور على قلبها الكسير.
باختصار شديد، كنّا نفكّر بالطريقة ذاتها ونكتب القصائد نفسها ثم نطوف بها على منازل الشعراء لتحريضهم على نصب الفخاخ في معارج التأمل.
ذلك، لأننا معا كنّا قد سبحنا في النهر ذاته مرتين، ذلك النهر الذي قال عنه صاحبه (انك لا تسبح في النهر ذاته مرتين). 
واننا معا جعلنا قلوبنا الفسيحة مسكنا له بعد أن شرّده الأوغاد والسفلة، قائلين له ( إن كنت مصرّا على البقاء رجلا أفضل بيننا، فارحل الى مكان آخر وكن افضل بين أناس غيرنا).
لم نكن من المتكلمين في حضرة (هيراقليطس) أبدا، إنما كنّا نصغي لصمته العجيب حسب، مذعنين له وهو يقول لنا كلامه الأخير: (بالاصغاء لا إليّ ، بل الى الله، من الحكمة الأعتراف أن الكلّ واحد) وهكذا أرانا هيراقليطس بطرفة عينٍ كيف يمكن لذلك العالم الممزق أن يدخل في سمفونية واحدة.
لم يكن ذلك المنوّر (هيرا) مظلما كما أشاع عنه ذلك أكبر الحاقدين عليه (أرسطو) إنما كانت النار التي أوقدتها سطوره، من السطوع بحيث انطفت أعين الناظرين لنورها.
لم يكن جاهلا بقواعد النحو كذلك، انما كانت اللغة التي بثّ فيها لسانه مخصوصة للتداول في محافل الآلهة، أولئك الذين كانوا على الدوام يختصمون بينهم ثم يستجيرون به لفض النزاعات حول تلقيح ازواجهم من قوارير نطفته.