اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار
 باب السيف : محلة بغدادية اتعبتها دائرة التقاعد العامة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 عبد الجبار العتابي/ تصوير : صباح الامارة
    الدخول اليه لا يدعو الى الاستمتاع كثيرا، لانه تحول الى ممرين صغيرين جدا، وقد امتلأ وسطه بمناضد تكدست عليها البضائع وملابس وقفت كالستائر تحجب ما بين الجهتين، ولا بد للمار ان يصطدم بمار مثله اذا ما كان هناك شيء من الزحام، على غير ما كان عليه قبل خمسة وعشرين عاما في الأقل حينما كان نهر الشارع فسيحا، فيما النظر الى اعلاه يثير الرعب حيث الأشياء تتداعى وتكاد تجزم وانت تتأملها انها على وشك الانهيار وتستغرب في الوقت ذاته هذا الاهمال لمعلم تراثي.
شكله مميز كونه يمتلك سقفا حديديا اشتهر به، وموقعه اكثر من مميز، فهو يقع على مقربة من باب القبلة للصحن الكاظمي الشريف، ليس بين بابه والساحة المطلة على مرقد الإمام عليه السلام سوى خطوات، لكن الفرق كبير بين المكانين، فهذا جرى فيه اعمار فبرز بهاؤه، وذلك لا.. فكان قاتما، واقصد بذلك السوق التراثي الذي غيرت حاله الأزمنة، سوق الاسترابادي أو كما يسميه البعض (الستربادي)، الذي تتراكم حوله ذكريات الناس حيث كان (البسطاء) يتبضعون منه، بل لابد لهم ان يمروا عليه لذلك كان البعض يراه سوقا للريفيين ويبدو ان هذا الوصف منحه خصوصية في البضاعة التي يزخر بها من ملابس وعطور واقمشة واكسسوارات، ولا بد ان نذكر هنا انه تزدهر في السوق تجارة الالبسة الريفية كالعباءات الرجالية واليشاميغ والدشاديش و(العكل) وطاقيات الرأس الخفيفة (العرقجين) فضلا عن كل ما يخص الفتيات والنسوة من عباءات نسائية و(فوط) ودشاديش تزدحم فيها الألوان وكذلك ملابس الأطفال، كما ان السوق توسعت الوان تجارته وبضائعه لتشمل محال عطاريات لبيع الأعشاب والبخور وغيرهما، والحلويات والأواني المنزلية والسجاد وغير ذلك.
350 مترا 
انظر هناك وأشم رائحة المكان، وتحلق نظراتي في الدكاكين التي يقوم عليها شباب وكبار في السن، ابتسم لمرأى هنا واحزن لمشاهدة خراب ما، ادور اكثر من دورة واتطلع الى الوجوه وأتوقف لأتأمل صورا جميلة لأمكنة محددة واناس منهمكين في عملهم، السوق حاليا يمتد طويلا الى الشارع العام الذي يمينه يؤدي الى كراج (بلد) وشماله الى ساحة العروبة وتحرس مدخله ومخرجه عناصر من شرطة وجنود، هذا الامتداد يبلغ 350 مترا، ويشير البعض الى ان الجزء غير المسقف من الشارع ليست له علاقة بأصل السوق، بل هو استحدث فيما بعد، لكنه اصبح بشكل بديهي امتدادا للسوق الأصلي وان كان عرضه اضيق، فالسوق (المسقف) نهايته تقف عند (سوق الهرج)، والسوق يقع ضمن محلة اسمها (الشيوخ) يحيط به سوق الهرج ومحلة (نعش خانة) التي يقال عن اصل تسميتها انها كانت بستانا مهجورة تعود الى آل عطيفة، وعندما حل الطاعون الكبير كانت البستان محطا لنعوش الأموات (التوابيت)، والاسم مكون من كلمتين (نعش) وهو التابوت، و(خانة) المحل، كما تقع على مقربة منها محلة الانباريين والى أحد جوانب السوق يتفرع شارع المفيد، وهناك قريب منه محلة (العكيلات).
استراباد .. مدينة ايرانية
      تختلف الروايات في تأريخ انشاء السوق، فهناك من يشير الى عام 1918 وهناك من يؤكد انه بني في نهاية القرن التاسع عشر، لكن الأصح انه انشيء بين عامي (1870 – 1880) وهذا تؤكده حكاية في بطون أحد الكتب القديمة : (يقال ان معتمد الدولة القاجارية (فرهاد ميرزا / توفى سنة ١٣٠٥ ه‍ في ايران وحمل إلى الكاظمية ودفن فيها) ارسل وفداً محملا بالمال الى المرحوم عبد الهادي الاستربادي مكلفاً اياه ببناء سور الصحن الكاظمي الشريف، فتزامن بناء السور مع بناء السوق المعروف بسوق الاستربادي في نفس الفترة (1870 - 1880) تقريباً ، فبعد مرور سنة من المباشره بالبناء (للسور والسوق) ارسل احد الواشين رسالة الى فرهان ميرزا مفادها ان الأموال التي ارسلت لبناء السور أستغلت لبناء السوق ايضاً، فما كان من فرهاد الا ان قام بارسال نفس الوفد ليطلع على مجرى الأمور والبناء، فاقام الحاج (عبد الهادي) مأدبة على شرف الوفد، دعا اليها جميع ابناء الكاظمية، وبعدها فوجئ الوفد ان الأموال التي ارسلت لم تمسها اليد ولم تسحب منها (روبية) واحدة داعياً اياهم حملها وارجاعها الى فرهاد.
    كما ان الاشارة الى وجود مطعم في السوق يعود تأريخه الى عام 1901 يؤكد صحة الرواية هذه. 
 
من هو عبد الهادي الاسترابادي؟
   وفي كتاب كواكب مشهد الكاظميين /الجزء الأول ص 259، هناك تعريف بعبد الهادي الاسترابادي (الوجيه عبد الهادي الاسترابادي، ولد سنة 1221 هـ وهو تاجر كبير معروف بالورع والتقوى والكرم، قضى اكثر عمره في خدمة أهل البيت (عليهم السلام)، وساهم في كثير من الأعمال الخيرية، وشارك هو واخوه الاكبر الحاج مهدي (1210 – 1308) في الاشراف على عمارة الصحن الشريف). 
 و آلـ (الأسترابادي) حسب الموسوعات: يرجع نسبهم إلى السيّد علي خان بن معصوم المدني (ت 1120 هـ )، الذي يتصل نسبه بالشهيد زيد بن علي بن الحسين عليه السّلام في 26 واسطة، واستوطنت ذريته كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري، وهي من أسر العلم والأدب.
    ولقب الاسترابادي هذا مأخوذ من منطقة في ايران اسمها (استراباد) ، خاصة ان في مدينة (خانقين) بمحافظة ديالى (خان) يحمل اسم (الاسترابادي) يملكه شخص فارسي من ايران من منطقة استرابادي.
ملامح ضائعة 
   الدخول الى السوق من اي جانب لم يجعلك ترى الكثير من ملامحه التي تتخيلها له بوضوح، فعرضه الذي يقل عن ستة امتار، كما خمنت ذلك، تتوسطه عربات ثابتة أو هياكل حديدية معروضة عليها البضائع المختلفة وبعضها عال الى حد لا يستطيع المار من احد الجانبين مشاهدة ما في الجانب الآخر بوضوح، فيما في الممرين الصغيرين تتدلى أمام المحال الملابس المعلقة، وهي محال تجارية صغيرة بعرض مترين ونصف وهناك بخمسة أمتار وقد فتح محلان على بعضهما كما يتضح لان اصل البناء هو صغر المحل، وهناك بناء جديد ايضا، وقد يثير المنظر بشكله العام  الناظر الذي سيجد الألوان زاهية والأضواء تضيف اليه مرحا ومتعة، فضلا عن ديكورات بعض الدكاكين التي تسترعي الفضول، واي تأمل للمحال يرسم علامات عديدة للتعجب لا سيما ان سقوف المحال مقوسة وكأنها في الأصل لم تبن دكاكين بقدر ما بنيت أمكنة تشبه الاواوين في الصحن الكاظمي لجلوس الزوار، اعتقدتها هذا وأنا اتأملها، وان كان عرضها اقصر، وهذا ما يدعو الى اعتقاد ذلك، مدهشة هي الدكاكين المبنية بالطابوق القديم ذي السمك الضئيل وربما الأطول من الطابوق المستخدم حاليا، مثلما هي مدهشة التشكيلات من البضائع المعلقة والمرتبة، لكن ما ان ترفع رأسك الى الأعلى حتى يذهلك المشهد،  بل ربما يصيبك بالرعب، فهناك خراب تام، مجرد هياكل خشبية بالية وبعض الأعمدة من الطابوق التي تقف عليها اذرع السقف الحديدي الذي صار صدئا.
سقف ذو فتحات عديدة
   في السوق الاستربادي.. هناك مقهى لا تشبه المقاهي الاعتيادية، من تصميمها وبنائها تعرف انها قديمة قدم المكان، مددت نظري اليها ورأيت ما ادهشني وأسرني من اثاث ومحتويات ورائحة، وذاكرة الناس تؤكد انها كانت ملتقى ادبيا للعديد من الأدباء المعروفين انذاك، فضلا عن انها مكان مناسب لاقامة الاحتفالات بالمناسبات الدينية والوطنية، كما لفت انتباهي هناك لوحة تشير الى وجود فندق صغير ما زال يؤدي عمله، في حين يذكرك البعض هناك ان السوق كان يضم خانا يحمل اسم الاسترابادي مقابل باب القبلة وهناك خان آخر في نهاية السوق يحمل اسم (جركانة).
حديث الناس
   حدثني الناس الذين لديهم محال في السوق انه يعجبهم بأي شكل يكون، خاصة ان اي تغييرات لم تطرأ عليه وان طرأت فهي عادية، حدثوني عن  الغرف في اعلى محال السوق سكنها في البداية الهنود الذي يأتون لزيارة الامامين في السبعينات، وهناك منهم من يبقى وكذلك الأفغان الذين عمل اغلبهم كخبازين وكان كل خبازي الكاظمية من الافغان واشتهروا بأرغفة خبزهم الطويلة وبعد الهنود والافغان الذين تم تسفيرهم، لأسباب غير معروفة، سكنها الغجر الذي كان عمل اغلبهم هو (الكدية).. واشار البعض الى ان هؤلاء الغجر ليسوا كالغجر المتعارف عليهم من اصحاب الطرب وغير ذلك، ثم جاء بعدهم المصريون في الثمانينات حتى بدأت احوال المكان تتغير والأبنية تتداعى ففرغت تلك الغرف، أما الخراب الحقيقي فبدأ منذ نحو عشر سنوات ولم يعمل احد على اصلاحها وترميمها.
حدثني البعض عن ايجارات الدكاكين التي يعتبرها غالية، حيث ايجار المحل الصغير  250 – 300 ألف دينار، بينما كان قبل 2003 ارخص بكثير ولا تتعدى المئة الف دينار، واكد لي البعض ان اصحاب السوق من بيت الاسترابادي يسكنون خارج العراق ويعرفون منهم ابنهم محمد رؤوف الاسترابادي الذي يأتي الى السوق بين حين وآخر وهو رجل عمره نحو 70 سنة ولكن لديه وكلاء، وحين سألتهم عن ابرز الشخصيات التي كانت تزور السوق اكدوا (كان نوري السعيد يأتي ليأكل الكباب من مطعم الحاج حسين الكبابجي (حسين العريض)، صاحب مطعم بور سعيد وكان اسمه في السابق مطعم الكاظميين) . 
 لا يستحق الهدم 
اجمع العديد من اصحاب المحال و(البسطيات) في السوق ان من المفروض يكون هناك اهتمام به، لا احد يريده  ان يتهدم ولا ان يبنى غيره، ولكنهم يتمنون ان يتم ترميمه واصلاحه، احدهم تمنى ان يكون مثل سوق النجف مرتبا وجميلا، قالوا (حرامات) ان يهدم و(حرامات) ألا يهتم به فهو سوق تراثي ذو طراز معماري فريد.