اقرأ في هذا العدد
 
 




بريد الجنوب
 
عفيفة اسكندر وجماعتها قرب بيتنا
عفيفة اسكندر وجماعتها قرب بيتنا
 عواد ناصر
أيام “الشاكرية” محلة بيوت الطين والقصب، العالقة في كتف كرادة مريم، مفعمة بأحداث شخصية، اجتماعية وسياسية لافتة، فهي حاضنة عاطفية خاصة للزعيم الراحل عبدالكريم قاسم، وعلى فقرها الفاحش كابدت أحلاماً مستحيلة، بعضها عبر عنها أحد شبانها، من أقاربي، عندما غادر بيتنا في ليلة ماطرة. قلت له قلقاً عليه: إنها تمطر بشدة. رد علي بسرعة بديهة: “ سأتخيل نفسي في شوارع ميونيخ!
ما الذي جعل ذاك الشاب، أوائل ستينات القرن الماضي، في محلة فقيرة، بيوتها من الطين والقصب، تغرق في الوحل والسل والبلهارزيا والكبت، يضرب مثلاً في مدينة ألمانية بعيدة لم تمس ثقافتنا، ولا كتبنا المدرسية حتى، مثل ميونيخ أن تكون مدينة أحلامه؟
لم يفصل بين بيتنا الطين و”قاعة الخلد” سوى سياج عال. كان عالياً بالقياس إلى قامات الأطفال الصغار، لكنه قابل للصعود أمام طاقتنا المشاغبة، الوكحة، خصوصاً عندما تكون ثمة “حفلة” بمناسبة ما، سيحييها كبار نجوم العراق من المطربين، آنذاك.
لا أتذكر المناسبة التي أحياها أبرز نجوم الغناء العراقي، وقتها.. ما أتذكره أن ثمة حفلا فنياً كبيراً سيقام.. بل إن الزعيم عبدالكريم قاسم سيحضره، شخصياً.
كانت مشاهدة الزعيم أسهل كثيراً من حضور الحفل ومشاهدة الفنانين!.
خططنا، مجموعة الصبية الوقحين، الحفاة، الراكضين أسرع من سيارة الزعيم، لئن ننتظره على الشارع العام الواصل بين القصر الجمهوري في كرادة مريم وقاعة “الخلد” وهذا ما حدث: ها هي سيارة الزعيم.. وما أن بلغت سيارته مكاننا (لم تكن ثمة حمايات أبداً)، حيث ننتظر، حتى أبطأ السائق ثم أشعل الأضواء الداخلية للسيارة لتقع عيناي على شخصية الزعيم، وهو ينزل زجاج السيارة، إذ هو شخصية من ضوء أخاذ لفتتني رتبته الذهبية وشارة الأركان أكثر من وجهه!
ترجل وصافحنا واحداً واحدا، ثم قال بصوته الرفيع: “ولدي، أنا مستعجل”!.
واصلت سيارته سيرها بينما كنا نركض خلفها نحاول مسها وكأننا نتبرك بضريح وليٍّ مبارك، حتى بلغنا قاعة “الخلد” حيث الحفل الفني الكبير.
لا أدري كيف دخلت، لكنني دخلت، لأجد نفسي في كواليس الفنانين والموسيقيين، قريباً من عفيفة اسكندر التي شممت عطرها، وقريبا منها داوود العاني، وهناك مائدة نزهت، وليست بعيدة عنا أحلام وهبي. يا إلهي.. هل هم هؤلاء الذين كانت تبحث عنهم خالتي “حياصة” عبر الغطاء الخلفي (المثقب) لراديو الفيليبس ذي العين الخضراء والبطارية التي بحجم “طابوقتين جمهوري”؟