اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
أشياء أسست علوماً
أشياء أسست علوماً
 ياسين النصير 
Aldiwan22@hotmail.com
أصبحت البديهيات والأشياء المألوفة اليومية مادة للعلوم، إن لم تكن هي التي أسهمت في تأسيس الصناعات والثقافات، ففي ساحة سوق أثينا انتج ارسطو وافلاطون المفاهيم الخاصة بتكون العالم من خلال فهم العلاقات بين الناس، فأسسا القوانين، وكان قد طلب من أرخميدس المهندس وعالم الرياضيات  أن يفحص التاج الذي صنع لملك يوناني؛ هل هو من الذهب أم من معدن مغشوش، وبقي ارخميدس مشغولًا بهذه المسألة إلى أن اكتشف وهو يسبح أن حجم الماء المزاح يساوي حجم الكتلة، عندئد جاء بالتاج وغمره بالماء فتبين أن حجم الماء المزاح أقل من حجم كتلة التاج، عندها عرف أن التاج مغشوش وان المادة التي صنع منها ليست الذهب، فقطع الملك رأس الصائغ. وهنا اكتشف أرخميدس قانون طفو الأجسام داخل المياه، ولاتزال صيحته 
(أوريكا أوريكا) أي وجدتها تترد على كلِّ لسان يكشف جديدًا، وأهم اكتشاف لأرخميدس هو تأمله  قوقعة الحلزون فصنع عن شاكلتها اسطوانة حلزونية لدفع الماء للأعلى،  وأكتشف نيوتن الجاذبية من يتأمل سقوط التفاحة  من  شجرة كان يستظّل بها، وأصبح الشفق مادة رياضية لتأمل غاليلو في الكون، وتعلم الإنسان من البوصلة  اليدوية كيفية السيطرة على الطبيعة والناس كما يقول هوركهايمر،  واسم Skhole
(المدرسة) باللغة  الفرنسية و School   بالانجليزية، يعني (الوقت الفراغ)  ويعني (المدرسة) أيضًا، أي أننا نلعب ونتعلم في (الوقت الفراغ)، حيث أمكن للفراغ أن يكون مؤسساتًيا.  وأن السحر الذي كان يقيِّد العالم في المرحلة البدائية من التفكير، قد فُكّت عقدته  عندما ألغيت تعددية الآلهة، وأن الهواء والماء والنار والتراب وهي أشياء يومية ومألوفة، أصبحت العناصر المكونة للطبيعة وللفلسفة وللعلوم وللثقافة. إن قطرة الندى التي نراها صباحًا على أوراق الشجر، ليست مطرًا، إنمَّا هي خلاصة لتفاعلات مناخية تجعل الرطوبة متوازنة مع طبيعة الجسم،
 فالندى ماء وكلمة  محببة  ترتبط بالحب،
نخلص من هذا كله، أن أشياء البيت وأشياء العمل والشارع والمدينة والقرية، لا توجد اعتباطَا، أو أن قوى مبهمة أوجدتها كي تخيف الناس بها عندما يعمّ الظلام، إنما وجدت للعب الفكري، هذه الأشياء المتداولة أصبحت جزءًا من حياة الإنسان اليوميَّة، التي من خلال التعامل معها ينتقل بوعيه من مجرد اللعب أو المعايشة إلى التفكير العقلي. إن الإنسان يبدأ بالسيطرة على أشياء الطبيعة عقليًا، عندما لا يتصورها مسكونة بالشياطين، إننا نمتلك عقولًا تخترق الأشياء الغامضة، ولذلك علينا أن نمارس عمليَّة شحذّ العقل، لاشيء يقف أمام التفكر بالطريقة التي تشكلت بها الأشياء، وعلينا أن لا نستسلم  لما يقال، فالعقل الإنساني قادر للإجابة عن كل الأسئلة الغامضّة، وفي الوقت نفسه قادر على إثارة الأسئلة الجديدة.  كان عوليس يضرب على صدره انتصارا للحياة بعد كل تحدٍ لأصوات الحوزيات وهو يرى كيف يموت ملاحيه،  فعدَّ الضرب على الصدر انتصارًا ضد صناع الموت.