اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 الشبكة تفتح ملف بيوت الدعارة في بغداد
 مرضى يتسولون بلا رقيب .. ومريضات يتعرضن للاغتصاب
 من يسرق كتب الطلبة ويعيد بيعها في الاسواق
 حول بيان الشاعر كاظم الحجاج: هل ثقافتنا العراقية بعثية وهي لا تدري؟!ـ
 التقشف.. أسعار النفط تطيح بالدراما العراقية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ملف العدد
 
في العام 2003 تنبأت تمارا الجلبي بانهيارمشروع ابيها في العراق
في العام 2003 تنبأت تمارا الجلبي بانهيارمشروع ابيها في العراق
محمد حياوي 
“حتَّى لو افترضنا أن القوات الأميركية ستُعد قوات مُحررة، لكن إطالة بقائها سيجعل اناس يضعون ذكريات صدام الأليمة جانباً وسيُطلق عقال التطرف الإسلامي في العراق»   
عنوان كتاب الدكتورة تمارا الجلبي" حفلة شاي متأخرة في قصر الغزلان"، يبدو وكأنه نبوءة مُبكّرة لنهاية مشروع والدها السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي ومعتركه الذي لم يهدأ منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، فحياة أسرة الجلبي، التي دوّنتها تمارا في هذا الكتاب المُدهش بطريقة تنم عن قدرة بحثية ودراسة سوسيولوجية معمّقة، ظلت نهاياتها مفتوحة حتى يوم الثلاثاء (3/11/2015)عندما وجدوا والدها ميّتاّ على كرسيه. 
كتاب تمارا «متأخرة على الشاي في قصر الغزلان»، الذي قرأت نسخته الهولندية لم يصدر باللغة العربية حتَّى الآن، وهو أمر محيّر طالما رغبت بسؤال تمارا عن سببه، لولا أن سفرها إلى اسطنبول وقتها قد حال دون ذلك، لكن في جميع الأحوال ستظل المكتبتان العراقية والعربية تفتقران إلى مثل هذا الكتاب الضخم بحجمه ومحتواه، فهو ليس توثيقاً لتأريخ أسرة الجلبي العراقية وحسب، بل مسحاً ودراسة مُعمقّة للمجتمع العراقي والمرأة العراقية تحديداً منذ أفول نجم الدولة العثمانية حتى دخول أحمد الجلبي بغداد ـ محرراً ـ، كُتب بطريقة سرّديّة آسرة كادت ترفعه لغتها الشفّافة إلى مصاف الرواية الأدبية. وبقدر نجاح الكتاب في تسليط الضوء على تلك الأسرة العريقة ودورها في الحياة الاجتماعية والتجارية العراقية، بقدر ما كشف عن امكانيات وقدرة تمارا الجلبي كمؤرخة وباحثة عراقية معاصرة ظلَّت مُحتفظة بمسافة محسوبة بحثياً وعلمياً، عن هالة والدها وعلاقاته ونشاطاته السياسية المتداخلة. وبالنسبة لهؤلاء الذين لم يطلعوا على طبيعة الدراسة والتربية في الغرب، فأن الوضع الطبيعي لابنة سياسي بارز هو أن تكون مرتبطة بوالدها ومشروعه السياسي، وربما أداة من أدواته في ذلك المشروع، لكن الحقيقة غير ذلك بالتأكيد، وهذا لا يعني انَّها كانت تتقاطع مع توجهات والدها السياسية ورؤاه الاقتصادية، بل كانت تحرص على استقلاليتها واستقلالية مشروعها البحثي والسياسي والتأريخي بعيداً عن تأثيرات المشاريع الأخرى، حتَّى لو كانت لوالدها نفسه، وهو أمر مفروغ منه لجهة الإخلاص في الكتابة، الأمر الذي أهلها للتأليف والبحث المُعمّق في المجمتع العراقي، وهي التي ولدت ونشأت ودرست وتخرّجت في جامعة هارفارد، من دون ان ترى العراق، حتَّى العام 2003 عندما دخلت مع عدد كبير من مقاتلي وموظفي المؤتمر الوطني، لتترك لديها تلك التجربة تصوّرات ورؤى سيكون لها لاحقاً دور حاسم في تكوين شخصيّتها البحثيّة وقدرتها على قراءة الأحداث والمتغيرات السياسية. فبالنسبة لتمارا يُعَد فهم الماضي وتسليط الضوء عليه هو مفتاح فهم الحاضر بشكل واضح، ليس الأمر متعلّقاً بالعواطف وحسب. حتَّى عندما شاهدت بعض مقاتلي المؤتمر الوطني يركعون ويقبّلون الأرض ما أن وصلوا إلى الناصرية في العام 2003، بينما كانت تشعر بالبرد في الحقيقة، كانت لهم مبرراتهم العاطفية أو الوجدانية. فكّرت في داخلها وقتها، الأمر أعمق من أن يكون قضية اسقاط نظام ديكتاتوري، أنَّه قضية وجود مجرّد. 
تبدأ تمارا كتابها بوصف مشهد في العام 1913 ذات صباح صيفي لعائلة جدّها عبد الحسين الجلبي وهم يتناولون افطارهم، قيمر الجاموس الطازج مع عسل العنبر الذي يرسله أصدقاء جدّها من جبال كردستان. تقول تمارا عن كتابها «بصفتي مؤرخة، فقد انجزت الكثير من البحوث، لكن تبقى اللقاءات المباشرة مع الناس والتحدّث إليهم وجهاً لوجه هو لُب البحث الحقيقي، لقد قابلت الكثير منهم، العمال الشيوعيين وشيوخ العشائر الذين فقدوا مجدهم وبائعات الخضار القنوعات والجنود المتحمسين، قبل أن أغوص في دور المحفوظات والوثائق في فرنسا والعراق ولبنان». 
لقد استغرق الكتاب ثلاث سنوات من الكتابة فقط، ناهيك عن سنوات أخرى بذلتها في البحث وتجميع المصادر واجراء المقابلات، وظلّت الروايات الشفاهية من أهم مصادرها كما تقول، بناءً على نصيحة عمها الباحث أو معلمها الأوَّل حسن الجلبي الذي تُعَد حياته قِصَّة بحّد ذاتها، فقد لدغته حشرة ما في عينه عندما كان طفلاً يلهو في حديقة المنزل وتسببت بفقدانه لبصره، «هو رجل غير عادي على الإطلاق، وما حدث ويحدث له طوال حياته أمر مدهش للغاية»، ربما لهذا السبب أهدته كتابها المهم هذا، voor mijn dierbare maatje en verteller, Hassan Chalabi “إلى رفيقي العزيز وراويتي، حسن الجلبي”. 
درست تمارا التأريخ في أكسفورد في كليّة براون، ثمَّ واصلت دراستها في جامعة كامبريدج، قبل أن تنال شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد الشهيرة، وكانت تخطط لمواصلة دراستها وأبحاثها لتصبح أكاديمية مثل أبيها، لكنَّها أدركت أن هدر عشر سنوات أخرى من عمرها قد يفقدها متعتها في الاكتشاف والنزول إلى أرض الواقع، بدل الجلوس في برج أكاديمي عاجي، كما تقول، هي غير ملائمة لمثل حياة كهذه، كانت في الرابعة والعشرين من العمر عندما بدأت دراستها والعمل على أطروحتها للدكتوراه عن الشيعة في لبنان واندماجهم في المجتمع اللبناني. قرأت مئات الأبحاث والدراسات واجرت عشرات المقابلات من أجل ذلك. لكن العراق ظل في طليعة اهتماماتها، كونها سليلة أسرة عراقية افنت عمرها في العمل من أجل الاطاحة بنظام صدام حسين، نعم، كان هذا جوهر طفولتها، فهي تتعلّم وتسمع عن العراق منذ تعلمت المشي لأوَّل مرَّة، لكن مع ذلك، نشأت نشأة نصف غربية، لجهة حبّها للموسيقى والرحلات وعروض الأزياء، “التنشئة نصف الغربية تكون مربكة للمرء أحياناّ”، تقول تمارا في لقاء مع التلغراف البريطانية، حتَّى أن زملاءها في الكلية كانوا يلقبونها بأميرة الشرق، ومع ذلك، ظلت متأثرة بالإسلام وتقاليد المجتمع العراقي. وعلى الصعيد الثقافي، وبحكم وعيها، تُعَد تمارا متذوّقة للفنون والثقافة، كما هو شأن أبيها الراحل، الذي حوّل قصوره إلى ما يشبه المتاحف، فأسست بالتعاون مع بعض الأصدقاء المثقفين العراقيين مؤسسة “رؤيا لدعم الثقافة والفنون العراقية”، تقول تمارا في لقاء آخر أجري معها باللغة الانجليزية “بالنسبة لبلد خرج تواً من آتون الديكتاتورية ويعاني من صراع عنيف، فأن تعزيز الثقافة ليس ترفاً، بل هو جزء لا يتجزأ من النضال من أجل الوجود”، 
وفي مكان آخر تقول “ما يجري من تدمير للآثار العراقية وتبديدها هو نوع من التطهير الثقافي الذي لا يقل خطورة عن التطهير العرقي”. لم تستطع تمارا في الواقع مشاهدة اللقطات المريعة التي بثّتها التلفزة لرجال داعش وهم يدمرون الآثار والمعالم العراقية، بالنسبة لها تلك المشاهد لا تقل وحشية عن قتل الناس الأبرياء أو ذبحهم بطرق وحشية.
لقد نشرت تمارا في وقت مبكّر جداً، بعد سقوط النظام السابق، سلسلة من المقالات في الصحف البريطانية والأميركية تنبأت فيها باحتمالية انهيار مشروع أحمد الجلبي في العراق في حال اخطأ الأميركان قراءة الواقع الجديد، وهو ما حصل بالضبط، كما لو كانت تتنبأ، بحسها البحثي والتحليلي الشاب، بما سيحصل بعد عقدين من الزمان. تقول تمارا في احدى تلك المقالات بالنص “حتَّى لو افترضنا أن القوات الأميركية ستُعَد قوات مُحررة، حسناً، لكن إطالة بقائها سوف يفجّر معارضة درامية في العراق، وستتركز طاقات الشعب العراقي على تأكيد الوطنية العراقية بوجه المحتل الأجنبي، وسوف يضع الناس ذكريات صدام الأليمة جانباً بسرعة وسوف يُطلق عقال التطرف الإسلامي في العراق”.
 وفي مكان آخر تقول “سوف تتفاعل المشاعر على المستوى المحلي والأقليمي بما يشكّل زخماً فكرياً يشجع على تجنيد الإرهاب والتطرف الديني”، انتهى كلام تمارا لكن لم تنته نبوءاتها الملفتة في الحقيقة، حتّى لحظة وصولها بغداد قبل أيام لتلقي نظرة الوداع على والدها المسجى في قصر الغزلان. 
نعم لقد تأخرت على الشاي في القصر، وهي بالتأكيد تشعر بالخذلان واهتزاز إيمانها بالعراق المُعْذب. فقلبها دامٍ وروحها مُحطّمة، لكن أمل ألا تضع نهاية لكتابها الفذّ ولا لنبوءاتها المبهرة، فالعراق، بالرغم من ذلك، يستحق الجهود التي بذلتها تمارا ونبذلها جميعاً، هو قدرنا وعلينا أن نرضى به. 
 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب: متأخرة على الشاي في قصر الغزلان
العنوان بالهولندية: Laat voor de Thee in het Hertenpaleis
المؤلف: Tamara Chalabi
عدد الصفحات: 443
الناشر: دار أرتيميس وشركاه ـ امستردام ـ أيلول/ سبتمبر 2010