اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
سأوقظهم ياأبي
سأوقظهم ياأبي
عامر بدر حسون 
amerbhassoun@gmail.com
كان عمر شهرزاد، ابنتي الصغرى، قرابة الخمس سنوات عندما حصلت على شريط فيديو عن مجزرة حلبجة.
كنا مصعوقين من المجزرة الشنيعة التي ارتكبها صدام، وجلسنا نتفرج على الفيلم مع بعض الأصدقاء في بيتي.
ابعدنا الأطفال كي لايروا ما لا يليق ببشر مشاهدته، فكيف بطفلة صغيرة؟ لكن الصغيرة تسللت وبدأت تتفرج معنا من دون ان ننتبه الا على سؤالها حين رأت الأطفال الموتى:
- بابا.. همه (هم) نائمين؟!
اخرجتها من الغرفة وأنا أوافقها الرأي في إنهم نيام، وعندما انتهينا من مشاهدة الفيلم اكتشفنا انها تسللت ثانية وشاهدت!
اعادت السؤال عن نوم الأطفال فوافقتها انهم نائمون بالفعل. وانفلتت من يدي ووقفت بباب الغرفة ووعدت باصبعها: 
- عندما اكبر.. سأوقظهم!
كانت تدرك على صغر سنها ان ايقاظهم يحتاج الى ان تكون اكبر.. فنوم الأطفال في حلبجة لم يكن مثل نوم الأطفال الذين يستيقظون بقبلة أم، أو زقزقة طير أو نغمة موسيقى.
***
وعندما اصبحت شهرزاد في العاشرة من العمر، جئت بالطبعة الأولى من كتابي “كتاب القسوة” الى البيت، وقدمته للأصدقاء الذين زاروني في ذلك اليوم، وكانت تسمع كلمات المجاملة والاعجاب بالكتاب فيما هي تتحرك، وقد طلبت قراءة الكتاب فقلنا لها انه للكبار لانه يتحدث في السياسة.
بعد أيام بدأت تشكو من كوابيس تراها في الليل من دون أن نعرف السبب، وذات يوم افتقدناها، فلم نجدها.. وبعد البحث وجدناها مختبئة تحت مكتبي وهي تقرأ بالصفحات الأخيرة من “كتاب القسوة”.
كانت أياما صعبة علينا وعليها، خصوصا انها تعرف بطلة الكتاب. وكل ليلة كانت الطفلة تعاني من كوابيس ولم نعرف ما نفعل.
وخطر ببالي ان اطلب منها ان ترسم لي كوابيسها بدلا من روايتها.. وتجمع لدينا الكثير من اللوحات، وبدأت الكوابيس تتراجع، واستمرت لسنوات وهي ترسم احلامها وكوابيسها على الورق فتتخلص من الخوف ومن الشعور بالذنب.
عندما اصدرت الطبعة الثانية من كتاب القسوة اخترت للغلاف لوحة من اللوحات التي رسمتها شهرزاد عقب قراءتها للكتاب.
استذكرت هذه الآلام الكبيرة على طفلتي الصغيرة، لانها كتبت اليوم تقول انها لاتستطيع اكمال مشاهدة فيلم ارسلته لها من أيام صدام، والاذلال الذي كانت تقوم به قواته للمواطنين.
فكتبت لها: انت الان لاتستطيعين اكمال الفيلم دفاعا عن انسانيتك.. لقد اخذت من البداية جرعة مفرطة من القسوة العراقية وسأكتب عنها قريبا. (قصتك مع حلبجة ومع كتاب القسوة) حفظك الله ورعاك من القسوة والألم..”
وها انا قد فعلت..
 وبودي ان اختم بالقول اننا نولد مرتين، مرة هي الولادة الطبيعية التي يبكي فيها الطفل دلالة على الحياة.. ومرة ثانية عندما يولد الانسان فينا، بمعرفتنا وقيمنا فنتألم ونبكي احيانا.. واعتقد ان الولادة الثانية اصعب وأقل حدوثا عند البشر.
اللهم بارك في هذه القلة!