اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 عراقيون يصنعون الابتسامة من "دفيني" الى "غوث"
 سبية نجت من قبضتة داعش تروي لـ "الشبكة" ايام محنتها
 الشبكة تكشف ملابسات جريمة شاحنة الموت
 عراقيون يصنعون الابتسامة
 الفن العراقي يبكي جمهور موسكو من اجل السلام نحارب الارهاب

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

بانوراما
 
شعائر الحزن العظيم .. عشرة أيام من المناحة الخالدة
شعائر الحزن العظيم .. عشرة أيام من المناحة الخالدة
كريم زاهي
 على الشبّان ياكلبي تفطّر
تهاووا مثل مهوى النجم من خر
هذا الرمح بفّاده ايتثنّه
وهذا بيه للنشّاب رنّة
وهذا الخيل صدره رضرضنّه
او هذا وذاك بالهندي موذّر
على الشبّان ياكلبي تفطّر
(من نصاريّات محمّد النصّار)
غالباً ما أحرص على أن لا يفوتني التواجد في الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم، في مدينة الكوفة، حيث ولدتُ ونشأت، لارتباط سنوات طفولتي الأولى بتلك الأجواء التي كانت تختلط فيها روائح المشاعل، بشميم رزّ العنبر المطبوخ، بينما تأتي من مكبّرات الصوت البعيدة، أصوات القرّاء والندّابين بتداخل مع ضربات الطبول والصنوج وأنين الأبواق تتخلّلها صرخات (حيدر وياحسين)، بينما بكاء النسوة الثكالى يغطّي على كل شيء. إنّها أيّام المناحة الحسينيّة الخالدة.
للأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم لدى العراقيين، خصوصيّة ما يمكن تسميته بـ (أيّام شعائر الحزن العظيم). إنّها أيّام الندب والمناحة التي ما انفكّوا جيلاً إثر جيل، يعيدون إحياءها منذ قرون عديدة، مراسيم وطقوس صار لها مع الزمن، تقاليد وثوابت رسّختها الأحداث التي توالت على تأريخ البلاد حتّى وصلتنا اليوم بشكلها الحالي. فما أن تشرق شمس هذا اليوم حتّى تتّشح المدن بالسواد وترفع فيها الرايات والشعارات، وتهيّأ قدور الطبخ وتنصبُ الأثافي ويأخذ كلّ دوره المحدد في خلايا النحل تلك.
نشوء المآتم الحسينيّة
يذكر رواة التأريخ الشيعيّ أن أول تلك المآتم هو الذي عقدتهُ (هند) زوجة يزيد بعد واقعة طف كربلاء والمجيء بالسبايا إلى مجلس يزيد بن معاوية في الشام، بينما يذهب آخرون للقول أن الإمام (زين العابدين) (ع) قد عقد مجلس عزائه قبل ذلك بكثير، ويقولون بأن ذلك كان ليلة الحادي عشر من محرّم من عام (61هـ)، أي الليلة التي تلت مقتل الحسين وكوكبة من أهل بيته وأصحابه (ع)  من قبل أن توارى جثامينهم الشريفة ثرى كربلاء. بينما يرى آخرون أن بداية نشوء المآتم الحسينيّة بشكلها الحالي، تعود إلى زمن البويهيّين، أي بعد انقضاء فترة ممارسة الشعائر السريّة أيّام حكم الأمويّين والعباسيّين. حيث صارت تقام بشكلها المعلن وصار لها من الإنتشار أن دخل فيها اللاوعي الجمعي الذي حمل طيلة تلكم المئات من السنين، فضلا عن مأساة كربلاء، مآسي القمع والتنكيل ومحاولات الطمس والأخذ بالثأر، المتوارثة عن بني أميّة تجاه بيت النبيّ وآله.
إنّ الأحداث التي جرت في واقعة الطفّ، وبروايات متّفقٌ عليها، حدت بالشعراء والندّابين فيما بعد، أن يسطّروا مجريات أحداثها في ملاحم صارت مع الوقت من أدبيّات الشيعة ومراجعها المهمة في دراسة الواقعة والنسج على منوال أحداثها، وبسبب من امتداد المذهب الشيعي وتغلغله في ثقافات أخرى، فقد أدخلت في مراسيم الندب، الكثير من الطقوس بدافع التأثّر والتأثير، وهي مراسيم أثير بشأنها لغط كثيرٌ، لكن كون الدوافع من ورائها هي نوايا حسنة، جعل معارضيها يؤجّلون الجدالات بشأنها لمدى انتشارها في الطبقات الأكثر فقراً التي ترى في ممارستها إسقاطاً للحيف والتنكيل الذي مرّت به طيلة سنوات ما بعد النكبة.
طقوس ممسرحة
ولسنا هنا بصدد الحديث عن شرعية بعض الطقوس تلك من عدمها، إذ نحاول التركيز على أهمّ تلك المراسيم، وأكثرها قبولاً لدى الجميع، وهي المآتم والمجالس التي لا تخلو منها واحدة من مدن العالم ذات الأغلبيّة الشيعيّة، كما في لبنان ومصر وإيران والكثير. وهي المجالس التي صار لها قرّاؤها وكتّابها وشعراؤها الذين بات الكثيرون منهم يكتبون باللهجة العاميّة الأشدّ تأثيراً. فلا يأتي ذكر واقعة كربلاء إلا وترتبط بالإذهان أسماء شعراء من قبيل عبّود غفلة وكاظم منظور ومحمّد النصّار وعبد الحسين الشرع وأبو شبع وقائمة طويلة من شعراء المنبر الحسينيّ الذين مازال صدى أصوات القراّء الحسينيين يرددُ ملاحمهم الخالدة المخصّصة لكل يوم عزاء من أيّام محرّم. من اليوم المخصص لواقعة قتل مسلم بن عقيل (ع) في الكوفة، حتّى يوم مقتل الحسين (ع) وابنه عبد الله الرضيع (ع) مروراً بيوم الأنصار ويوم العبّاس ويوم علي الأكبر ويوم القاسم بن الحسن. ولكلّ من هذه الأيام علاوة عن ذلك طقوسه الممسرحة في المواكب الراجلة، مثل (تشييع مسلم) أو (التشابيه) أو (عرس القاسم)، وسواها. 
ولا بأس من أن نشير إلى أن الكثير من تلك الأشعار كانت تتضمّن فضلا عن التذكير بالفاجعة، الكثير من الشعارات السياسيّة التي تكون وليدة مرحلتها، فلم يخل موسم من مواسم الحزن تلك من بعض الإشارات الى ظلم السلطات الحاكمة، إو إلى التظلم ورفع الشكاوى وقد يصل الأمر بالقارىء أحياناً إلى أن يقوم بانتقاد أو شتم السلطة مأخوذاً بعزيمة المنبر الحسيني ومتسلّحا بقوة جمهوره الذي يكون في الأغلب من أصحاب الأفكار الثوريّة، ولا يفوتنا بهذا الصدد ذكر مناقب الشاعر الراحل (فاضل الرادود) الذي طالما اقتيد من منبره إلى السجن، ليعاود الكرّة دون كلل.
موكب الماراثون المليونيّ
ولربّما يتوجّب هنا إلقاء بعض الضوء على واحدة من أهم الطقوس تلك، والتي تختتم بها مراسم العزاء ظهيرة العاشر من محرّم، وهي موكب الماراثون المليونيّ الذي ينطلق من أحد مناطق كربلاء صوب مرقد الحسين الذي ضمّ أجساد أصحابه الشهداء بالقرب منه، وهو ما اصطلح على تسميته بـ (ركضة طويريج)، تلك المسيرة الضاجة بالهتافات النادبة والمؤبّنة والتي يُرتدى فيها السواد حزناً وتعظيماً، وهي تتّجه بحشودها مردّدة بصوت واحد هتافها الخالد (واويلي على المظلوم) لتنتهي بعد ذلك واحدة من أهّم طقوس الحزن التي لم يشهد العالم بأسره مثلها.