اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
في فرنسا بـ سيت الشعر دالة التائهين على المتوسط
في فرنسا بـ سيت الشعر دالة التائهين على المتوسط
طالب عبد العزيز
 من صنبور عتيق يأتي الماء، يتدحرج على بطون الصخر ويأتي، يكتب مآسي العروق النائية ويأتي، مثل دموع أطفال أضاعوا أمهاتهم في سوق الدمى عصيّاً ومنهمراً يأتي، يفتت صمت الليل وأفول اللحظات ويأتي الينا، نحن الواقفين تحت الشجرة الكبيرة، ننتظر هطول الموسيقى من عاليات الضوء وأجنحة العصافير.
 الماء والشعر في حديقة "لو شاتو دو" بسيت يعنيان الخبز والنبيذ والحرية. الآن يبدأ الشاعرُ الفرنسي قراءة قصيدته. هو يقول : "لو كان الله موجوداً لوعدنا بحياة أجمل على الأرض.. أبعد مما وراء السماء والنجوم .."                         
بعد أقل من ساعتين من هبوط الطائرة، التي أقلتني من اسطنبول، أخذني القطار من محطة (فيترول) القريبة جداً من مطار مرسيليا- إلى مدينة سيت بفرنسا، حيث سيقام مهرجان الشعر هناك. كان القطار يسير بسرعة تفوق سرعة السيارات الحديثة التي غالبا من تحملنا بين البصرة وبغداد وكانت الطريق خضراء. أشجار العنب والخوخ والفاكهة تكسو معظم المسافات التي تقدر العين على رؤيتها من الجانبين. لم أبحث بين المقاعد عن مقعدي المخصص لي بموجب تذكرة القطار، ولم يسألني أحد عن سبب لجلوسي في المقعد المجاور للنافذة، لذا ازددت طمأنينة، وما هي إلا دقائق حتى شغلتني البيوت والكنائس القديمة بسقوفها القرميدية والحدائق بأشجارها العالية العريقة. شغلتني الطرقات القصيرة التي راحت تتفلت من قبضة السكة الحديد لتشتبك هناك، في البعيد، جسوراً ومعابر وفنارات.
  بالكاد، علمت من مذياع القطار بأن المحطة القادمة هي سيت، الفرنسيون يلفظونها (سيتا) بياء ضائعة، فحملت الحقيبة مسرعا، نازلاً. كانت الشمس قد فارقت السماء من هنيهة. وكنت لا أعرف إلى أين أتوجه، لكني خرجت من مبنى محطة القطار باتجاه الساحة حائراً، اتفحص الوجوه، علّني أجد أحد الأدلّاء، وفي سَورة من ضياعي هذا وجدت شخصاً، عرفت من هيأته أنه أحد المدعوين، كان حائراً مثلي، يبحث في الوجوه عمن يأخذ بيده، ودونما تعريف مني أو منه، سألته إن كان مدعوا هو الآخر للمهرجان أم لا؟ فأجابني بنعم. كان ذلك هو الشاعر الأرجنتيني (رودولفو الونسو)علمت ذلك بعد أن وصلنا الى وسط مدينة سيت، التي قادنا اليها احد الشباب المتطوعين كأدلاء، يعملون على الأخذ بأيدي العشرات من الشعراء، الذين سيصلون إلى محطة القطار، من المشاركين في مهرجان الشعر(أصوات حية). ثم أننا اشتركنا في أكثر من منصة للشعر والموسيقى هناك.
  لا تبعد المحطة عن إدارة الفيستيفال كثيراً–الآن، أصبحت لا أقول جملة: "مهرجان شعراء البحر المتوسط في سيت" إنما أكتفي بلفظة الفيستيفال- هكذا كما يستدل الفرنسيون على المبنى الجميل، الذي يتوسط المدينة المسورة بالبحر والجبال، والتي تكون المقبرة البحرية، مقبرة بول فاليري الشهيرة دالتها الأعظم. في المكان هذا تركنا حقائبنا ومضينا لحفل الافتتاح، كنت أتصور القاعة الكبيرة، التي ستنغلق على العدد الهائل من الشعراء والجمهور الغفير الذي سيحضر، لكن البنت الشقراء التي أخذتنا سيرا على الأقدام اوقفتنا عند الشجرة الكبيرة، التي تمتد أغصانها أبعد مما يتصوره شاعر فلاح مثلي عن شجرة مهما كانت. كان الجمهور قد أخذ العشب كله بعدما امتلأت مئات المقاعد بالنساء والرجال من مختلف الأعمار. محبو وعشاق الشعر في سيت يختلفون عن سواهم، هم يتخذون اماكنهم قبل بدء المهرجان بساعات، يأتون من المدن والضواحي القريبة، يأخذون القطارات والحافلات ويقصدون سماع الشعر ومعاينة الشعراء. الشعر هنا قضية أخرى.
  "لو شاتو دو" تعني حديقة قصر الماء، هو اسم الحديقة التي أقيم فيها حفل الافتتاح والختام، ولا يجد مصطحب الخريطة ضرورة في تصفحها أو الاستدلال عليها. الشوارع تقوده ورائحة الطعام المنبعث من مطبخ ثريا دالة مميزة أيضا، كذلك تكون المساحة الخضراء الممتدة حوالي الشجرة. أكشاك باعة النبيذ عند اطرافها، وسكينة الشوارع المحيطة التي تفضي دائماً.. كل ذلك يقودك إلى اللو شاتو دو، حيث وقف أدونيس يقرأ بالعربية قصائد مختارة من كتابه الشعري (أول الجسد آخر البحر) وحيث توزع الشعراء الفرانكفونيون، العرب وغيرهم اماكن متعددة في الحديقة ليقرأوا الشعر وسط انغام من المتوسط والكاريبي، أنغام تأتي من مجاهيل أفريقيا السوداء، ثقيلة بالأقنعة خفيفة مع الموج، الذي لا يصطخب هنا، عند السواحل القريبة، خلال النور المتغير عند كل منصة، بين أكؤس النبيذ التي توزعت الجمهور العريض، الجالس والواقف والنائم على العشب، المستمتع بالشعر، والذي بدا لي كأنه سيسمع الشعر للمرة الأخيرة . تحت الشجرة العملاقة، قرب الساقية التي اغلق الحارس صنبورها تركني الشاعر الفلسطيني وليد السويركي، الذي كان وزوجته دليليَّ الوحيدين لمبنى الفيستيفال، تركاني على العشب نائما، هنا وذهبا. لكنني حين صحوت وجدتني قد كتبت قصيدة هذا جزء منها.