اقرأ في هذا العدد
 
 




افكار
 
الكتابة حياة
الكتابة حياة
عمار السواد  
حتى الحياة، مهما نبضت بالديمومة والحركة، تأخذ بالكتابة، نبضاً آخر، سواء في الصور المقتبسة من المعاني أم المعاني التي تنتجها الكلمات. 
فالكتابة إحياء لموضوعاتها. إحياء للموتى، أو نبض جديد للأحياء. لأنها حركة، توظيف، صور، استشعار وإشعار. الأشكال التي يضفيها تدوين الأشياء هي تأريخ، رصد، بصمة... بها نضفي من أرواحنا وعقولنا ومزاجنا.. (حالة ما) على الموضوعات التي نناقشها أو نكتبها.
 لذا أصبح أبو حيان التوحيدي، مثلاً رافداً للحياة في مؤانساته، خلّاقاً حين استمتع بلحظته فحوّلها الى إمتاع مكتوب. باختصار هو أرّخ وان لم يكن مؤرخاً، وترجم فهمه الخاص عن القيمة الحياتية. شكسبير أيضاً فعل ذلك، لم يخلّد اللغة فقط، إنما كرّر لحظته، بما تضمنته من حب وخيانات وقسوة واقتصاد... في نص خالد. 
بالتأكيد، التوحيدي وشكسبير نموذجان مختلفان عن أكثر الكتاب، حالتان نادرتان أكثر إشعاعاً من لحظتهما نفسها. لكن هما وإن تميزا بدهشة نادرة ومنجز لا نظير له، علامة بارزة على قيمة الكتابة، المخلِّدة للحظة، والمنتجة لرؤيتنا عنها. أحياناً لا تبدو مدهشة، في حالة الكتاب الأقل أهمية أو المغمورين أو العاديين، وأحياناً مدهشة جدا..وبشكل عام، يشير صاحب المقابسات ونبي السوناتات إلى قيمة التدوين بكل ألوانه، إذ يهز الوقت ثم يوقفه ويقتطعه ويقدمه حسب زاوية أو زوايا نظر الشخص الكاتب.
 ما ينتج عن المقال أو المنشور أو الكتاب... ثورة على رتم الحياة الذي يمر بسرعة كبيرة، يعتمد الثواني والدقائق والساعات والأيام، فيجتازنا مستعجلاً على أعمارنا. تقوم الصورة أو الفيديو برصد الملامح المباشرة والظاهرة، بينما الكتابة تقوم بإضفاء روح الشخص (الكاتب) على هذا الزمن بعد اقتطاعه، وتقديمه ممزوجاً بين تلك الروح وما تمليه اللحظة المرصودة.
 ربما يقال إن الكتابة ليست رصد حدث فقط، كثيرا ما تكون فكرة مجردة، أو تحليلاً... لا فرق، فالتجرد لم يأت من فراغ، إنما هو ابن جدل بين الذات وما تكتسبه من الخارج، والتحليل يعتمد الواقعة أو الوقائع. وعلى أية حال، سواء كان المكتوب معنياً بلمحة، أم بتراكم أحداث، فهو يمثل اللحظة المتأتية من عمق اللحظات المتتالية والمتراكمة.
 باختصار، حين نكتب، نؤمن بما نحن عليه أو برفض ما نحن فيه، ثم نعيد انتاج إيماننا رأياً، وبعدها ندونه بحسب ما نمتلك من أدوات لغوية ومعرفية وحياتية... وهكذا نستمر بأن نشارك الحياة انتاجيتها، ونكون جزءاً من فضائها الخلّاق، بالكتابة.