اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي
 يوم بكى رياض قاسم

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
عبد الزهرة زكي
 ما نفقده من الكتب غالباً ما يكون الأهم.
فكرت بهذا قبل ايام فيما كنت أعيد ترتيب مكتبي. دائما تتضاعف الكتب وتتكاثر بحيث تضطر مرة أخرى إلى إعادة الترتيب التي لا تدري أية مرة منها ستكون الأخيرة.
للكتب فتنتها واغراءاتها التي يضعف معها امرؤ تورط مع شهية اقتناء أي كتاب يخمّن في كل مرة أنه الأحوج إليه ليعود من أية جولة في المكتبات بحزمة من كتب هو عارف أن لا محل لها في الخزانات التي كثيراً ما استبدلت من بعدما ضاقت وما عادت تناسب الكتب ولا المكان. 
قبل أن أكتب هذا المقال كنت أقرأ بورخس فضحكت عند قوله: (كلما ذهبت إلى مكتبة ووجدت كتاباً حول أحد الأمور التي تستهويني.. أقول لنفسي يا للأسف، أنا لا أستطيع شراء هذا الكتاب، فلدي نسخة منه في البيت). هذه واحدة من أبرع صيغ الافتتان بالكتاب وهي لكاتب كبير ظل دائماً يؤكد: (إنني أعتبر نفسي قارئاً بالأساس، وقد تجرأت، كما تعرفون، على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته، فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، وإنما ما يستطيعه).
واقعاً وجدت مع الترتيب الأخير وقد استغرق مني ما يقرب من الشهر أن أكثر من كتاب أحتفظ منه بمكتبتي بأكثر من نسخة، وهي في العادة من الكتب التي هي أقرب إلى النفس والمزاج.
يصادف أن أشتري الكتاب وبعدها تأتي نسخة منه مهداة إليَّ سواء من مؤلفه أو مترجمه، إن كان مترجماً، أو من ناشره، وقد تكون من صديق كريم يعرف بحاجتي إليه أو يرغب بإشراكي بمتعة قراءته. وفي فوضى الكتب التي تحصل كلما تضاعف العدد وفاض على الخزانات يحدث أن يغيب أحياناً كتابٌ ما عن ناظريَّ فتشتد الحاجة إليه لأشتري نسخة أخرى منه حالما أصادفه في أية مكتبة أكون فيها.
لكن مع الترتيب الأخير وقفت على مشكلة الكتب المفقودة.
إعادة الترتيب تسمح بالتذكر.. كتابٌ كنت قد اقتنيته مع آخر يمثل أمامي فيذكّر بذاك المضاع، كتابٌ بموضوع معين يحيل إلى كتاب بالموضوع نفسه تفتقد هذا الأخير وتبحث عنه فلا تجده فتتذكر مناسبة فقدانه. ودائماً فإن الصداقات والإعارة، التي لم أعتد البخل فيها، هي المنفذ للفقدانات التي تأكدت خلال أيام إعادة الترتيب من أنها أكثر مما كنت أتوقع. بتّ أتذكر حادث ومناسبة فقدان بعض هذه الكتب التي توقعت أنها تفوق المئتي كتاب فيما ما زلت أجهل دواعي كثير من الكتب الأخرى سوى تلك التي كنت قد بعتها في سنوات الحصار أو التي أهديتها حين كنت أجد أن سواي أحوج إليها مني، وهذه هي الكتب التخصصية المعنية بمجالات لا تشغلني وأكتفي منها بمعرفة عامة بهذا القدر أو ذاك حسب المتاح والحاجة، وقد لا أمرّ بها نهائياً.
أذكر تماماً أني اقتنيت مثلاً كتاب ألف ليلة وليلة في مرحلة مبكرة من حياتي، وأذكر أن الكثير من مطبوعات الغري النجفية، كان من بينها كتاب واقعة الطف برواية أبي مخنف، كانت في بيتي منذ صباي، وأذكر أن نسخة نادرة من (كتاب الزهرة) للأصبهاني كانت بحوزتي منذ الثمانينيات، وأن نسخة من (الكتاب المقدس) تعود طباعتها إلى بدايات القرن العشرين كان قد أهداني إياها أبٌ يسوعي قبل أن يهاجر منتصف السبعينيات، ولأن الشيءَ بالشيء يذكر فقد كانت لديَّ نسخةً من طبعة أولى ممتازة ومحدودة العدد من (نشيد الإنشاد) الذي قدم له إنسي الحاج في الستينيات ووضع له رسوماً مائية بول غيراغوسيان، دواوين شعر مبكرة بطبعات أولى لعدد من الرواد والستينيين العراقيين واللبنانيينن ألبومات لكبار رسامي ونحاتي العالم.. هذه الكتب وسواها ضاعت بظروف أجهلها إنما حتماً سيكون من بين هذه الظروف تنقلي خلال هذه السنوات بين سبعة بيوت وتنقل كثير من كتبي معي إلى البصرة حيناً وسنوات الجامعة فيها وإلى العمارة خلال سنوات الحرب الثمانينية حيناً آخر.
الكتب التي تضيع ولا تستعاد تظل تحتفظ بقيمة خاصة؛ قيمة أيٍّ منها ككتاب يقترن بزمن معين ومرحلة من القراءات، وقيمته كذكرى في تاريخ شخصي. القيمتان تظلان حيويتين من حيث لم تمسسهما تغيرات الزمن على الوعي والمعرفة، هذه التغيرات التي قد نستخلصها في المرات التي نعود فيها إلى كتاب قديم بقراءة جديدة فلا نعرف ما إذا كانت هذه القراءة التالية قد تُرسِّخ القيمتين وقد تعصف بهما.
في إعادة الترتيب وقفت على كتاب (التحولات) لأوفيد يترجمة أدونيس فاستذكرت نسخته المبكرة التي كانت بترجمة ثروت عكاشة وحملت عنوان (مسخ الكائنات) وقد أُرفقت بها تخطيطات كان قد وضعها بيكاسو لهذا الكتاب الكلاسيكي الحي بنسخته الفرنسية، لقد أضعت هذه النسخة. ذكرى ضياعها كانت مفارقة تستدعي أن أرويها هنا؛ فقد عدت مرة إلى البيت مساء يوم شتائي في التسعينيات، كانت آخر وسيلة نقل استعملتها لوصولي البيت هي سيارة من نوع (جيب) أمريكية أو (واز) روسية مما باعها الجيش بعد استهلاكها حيث أعيدت لها الحيوية في أحياء الفقر ببغداد فصارت وسيلة النقل الأساسية فيها. كانت (الجيب أو الواز) آخر سيارة تنتظر الراكبين وكنت آخر راكب يصعد فيها، ومع اكتظاظها كان عليَّ أن أقف على طرف الحافة ممسكاً بعمود حديدي يلتف حواليه وحوالي حوض السيارة غطاءٌ من قماش سميك يجلس تحته الراكبون. لم يكن أمامي لتفادي السقوط سوى أن أمسك بالعمود الحديد بيديَّ الإثنتين معاً مما اضطرني إلى أن أضع الكتاب فوق الغطاء الثقيل. كانت شدة البرد، والهواء الجاف القاسي، ووضعي القلق على حافةٍ لا أدري متى ستنزلق منها قدمي، هي ما دفع بي إلى النزول سريعاً، حال وصولي قريباً من البيت، ليظل أوفيد وعكاشة وبيكاسو هناك في أعلى قمرة السيارة جيب.
هذه هي المرة الأولى التي لم آسف فيها لخسران كتاب، وإن كان بقيمة هذا الأثر العظيم.. الانشغال بشتم بؤس الحياة وصبّ اللعنات حينها كان كافياً لنسيان حتى ما هو أهم وأغنى.