اقرأ في هذا العدد
 
 




منوعات
 
مغني الفقراء
مغني الفقراء
كاظم الناصر 
الغناء أيضا فن الفقراء.. فن التعبير عن وجعهم ورعبهم وأنينهم وعشقهم.. وﻻيحتاح الطرب الفطري الى امكانيات أو أموال أو تقنيات.. يقف المرء قرب نهر ويطلق صوته فيأتي موجعا ومموسقا أو يجلس في حجرة أو يقف على عربة حصان في الأعراس الشعبية شرط الموهبة.. ﻻحقا اصبح الطرب مهنة وتطورت تقنياته وصار على المطرب ان يخصص جزءا من عائدات غنائه للرشاقة والتجميل والرياضة وادارة أعماله وتنسيقها مع شركات وحفلات ومهرجانات.. حتى اصبح صناعة ونجومية، ففقد جزءا من براءته والتصاقه بالناس والفقراء.. مايهمني هنا انني تابعت المطرب كريم منصور منذ عقدين وأكثر وهو صوت ساحر وكروان قل نظيره، بدأت شهرته على العود وبشريط الكاسيت منذ الثمانينات أيام الحرب، وكان كريم ﻻفتا باختياره لأغانيه الموجعة.. بالأحرى هي مزيج من لطم ورثاء نادر قادم من عمق اﻻهوار ومن سحر الجنوب ومن رثاءات سومر،  أغان اصبحت انذاك كأنها منشور سري ضد السلطة مثل اغنية (محمد) رثاء لجندي قتل في الحرب (تذكر من مشينا وياك درب الطيب.. والدنيا رطب عال.. جتل وتناخت النسوان ها اﻻوﻻد.. وتذكر من بجينا حذاك أنا وأمي ودورنا على اﻻبواب عالديرة.. لكيناها درب مسدود.. لكيناها مكابر والحدرها جنود يامحمد) واغان مثل رضينا بكل سنة نزورج يالكبور.. ونصن بالبواجي الليل مسموع.. انا ماي وتبدى شنفع الدموع... شنهو الفايدة والراح شو راح.. تغطن ﻻتجني الزيج مدروع ).. جرب كريم منصور الشهرة الأوسع وجرب ان يخرج من نمط اغانيه القريبة من الفقراء والحان ونصوص تغوص عميقا في الرثاء والحزن لكنه اختار ان يبقى لصيقا بهم وباصابعهم ودموعهم وشهقاتهم، وظل منسقا وأمينا لسر احزانهم وحافظ على قدره ولونه الذي يبكي الصخر كما يقال.. ﻻاستغرب اذا رايت طيرا يبكي أو حمامة.. عزاء كريم انه كان ومازال مثار اهتمام اليسار والفقراء وأبناء المناطق المسحوقة وظل في مدينته الغافية على ضفاف الأهوار وهي تغفو على وجع اغانيه.. انه كما أرى شجن مختلف وغريب يمتد عميقا مع شجن داخل حسن وألحان كوكب حمزة وطالب القره غولي ورياض احمد.. شجن عراقي نادر وفريد وساحر وعملية نقله الى العالم مهمة مستحيلة، ربما تحتاج الى جينات وبيئات منقولة من الطين الحري العراقي.. محلية كريم منصور قدر تراجيدي لكنه قدر عظيم وموجع ومؤثر.