اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار
 باب السيف : محلة بغدادية اتعبتها دائرة التقاعد العامة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
عبد الجبار العتابي
يمتد تأريخها الى 55 عاما، لم تكن قبل ذلك سوى أرض خالية، منحها الزعيم عبد الكريم قاسم الى عمال السكك الحديدية لذلك حملت أول الأمر اسم (السكك)، مرت بعدة مراحل شهدت فيها تطورا، وأخرى نالت فيها خرابا مثل واقعها الحالي الذي اجبرت فيه على أن يكون اسمها (الوركاء) !!. 
تقع مدينة حي العامل على مساحة مترامية الأطراف تشبه الى حد ما شكل المثلث المقلوب وتقوم على موقع مميز في الشطر الغربي من الكرخ. وكان يشار اليها في أولى سنواتها حتى مطلع الثمانينات بـ (الكرخ/ الأطراف) حيث ليس من بعدها سوى الفراغ على مد البصر، الا من جنوبها البعيد حيث تتراءى البساتين التي يشطرها طريق يؤدي الى الرضوانية، يحد حي العامل من شمالها شارع المطار ومن شرقها مدينة البياع ومن غربها حي الجهاد ومن جنوبها حي السلام، كانت تسميتها الأولى (السكك) وفي الثمانينات تم تغييرها الى (حي العامل)، لكن الغريب انها في اواسط التسعينات سميت بـ (الوركاء) وهو الاسم الذي لم يتم تداوله لغرابة علاقته بالمنطقة ولكن اللوحات الزرق المعلقة على اطراف الأزقة مازالت تحمل اسم (الوركاء)!!.
عمال السكك فدوة لابن قاسم
الطريف ان مساحة بيوت الأحياء الثلاثة مختلف، فالأولى 300 متر، ما عدا ما تسمى بالنفط 200 متر، أما الثانية 200 متر بينما الثالثة 250 مترا، أما الجمعيات فأول قطع الأراضي فيها للعاملين في معمل السكائر لذلك جاءت تسميتها هكذا (جمعيات الجكاير)، وللمدينة شارعان رئيسان الان غير شارع 30 المغلق، الأول شارع 60 الذي ينزل من الجسر على شارع المطار المؤدي الى حي الجامعة وفي حقيقته كان حتى الثمانينات مجرد مجرى عريض للمياه الثقيلة كريهة الرائحة ينتهي بعيدا عن البياع، والآخر الشارع الذي اسمه الان (الشلامجة) وهو الفاصل بين الجمعيات وحي العامل الأولى والثانية امتدادا من شارع المطار نزولا الى حي السلام.
     وبالتأكيد ما كانت قبل 55 عاما الا أرضا يبابا ليس قربها سوى مدينة البياع التي كانت آخر الأحياء السكنية هناك، وزعها عبد الكريم قاسم لعمال السكك، ويبدو أن الأهزوجة الشهيرة التي كان عمال السكك يهتفون بها في كل احتفالية تعبيرا عن حبهم للزعيم: (عمال السكك فدوة لابن قاسم) هي ربما التي دغدغت مشاعره و تركت اثرها في نفسه فمنحهم قطع الأراضي بالمجان أو  كما يقال مقابل بمبلغ مالي رمزي، لكن هناك من يقول ان عبد الكريم خصص أرض منطقة القادسية حاليا واليرموك لهؤلاء العمال وليس أرض حي العامل الجرداء، لكن المهندسين ولأسباب (طبقية) قلبوا الخارطة من اليسار الى اليمين فأصبحت الأرض الجرداء والفقيرة حصة العمال، أما منطقة القادسية فقد أصبحت حصة الضباط العسكر وموظفي الطبقة البرجوازية!!.
تصميم فرنسي
    المدينة نالت اهتماما في التصميم لم تنله مدينة أخرى، تصميم مذهل على شكل مربعات ودوائر وفي وسطها ساحات فارغة لاغراض استخدامها للمؤسسات التعليمية والصحية وسواها فيما شوارعها الداخلية عريضة، وسمعت ان تصميمها مأخوذ عن خرائط فرنسية لانها في منتهى الجمال والدقة، انشأت أولا حي العامل الأولى التي تقف على الجهة الشمالية الشرقية منها، وكان شارعها (30) النازل من اعلاها الى اسفلها ابهج وأعرض شوارع المدينة، بل انه الشارع الرئيس الوحيد فيها وهو الذي يؤدي الى شارع المطار مقابل جامع أم الطبول بالضبط عبورا الى القادسية، حيث لم تكن هناك حواجز ولم يكن شارع المطار مفخخا بالحرس وبالعيون ومن ثم السور الطويل، كانت الحركة دائبة في هذا الشارع الذي يقصده الناس من كل مكان للتسوق والتنزه، لا سيما انه الطريق الوحيد العابر الى خارج المدينة وواسطة النقل العامة الوحيدة فيه سيارات كبيرة تسمى (الاربعة ونص) قبل ان تنافسها باصات المصلحة، تأتيه من اقاصي حي العامل الثانية، والطريف ايضا ان هذا الشارع كان يضم مركزا للشرطة في وسطه وهو عبارة عن بيت بسيط صغير انتقل بعد سنوات الى بيت صغير في نهاية الشارع (ما زال البيت شاخصا على وضعه السابق) قبل ان يصبح في الثمانينات بناية كبيرة بالقرب من السابق ثم تحول الى خارج المدينة، الى المجمع السكني في حي السلام، بمعنى ان حي العامل الان على الرغم من مساحتها الشاسعة ليس فيها مركز شرطة، ومن الطريف ايضا ان حي العامل بمساحتها الشاسعة ومحلاتها العديدة ليس فيها مرآب (كراج) للسيارات، فهي ممر للعديد من خطوط النقل ليس الا، ولابد ان يذكر ان حي العامل طوال عقد الستينات ليست فيها مدارس وكانت مدارس البياع هي التي تستقبل التلاميذ فيما احتضنت مدارس أهلية اسسها شيخ (ملحاني) وسميت المدارس باسم (مدارس الملحانية) وتقع غرب منطقة الجمعيات.
ذاكرة بعيدة 
   أما حي العامل الثانية فكانت اطرافها النقطة الأخيرة في اقاصي الكرخ، فما بعدها مساحات خالية وبعضها تحول الى مزارع للفجل وعلى البعيد هناك بستان (الحاج عمران) الذي ما زال جزء منها موجودا وكانت فيها فرص عمل لبعض أهالي حي العامل كجني التمر وتكريب النخيل وكذلك بستان (حمد)، وفيها بعض المساحات أصبح ساحات للعب كرة القدم لشباب المدينة، خاصة لفريقها الشعبي الشهير (هلال العامل) بعد ان تم استغلال ساحته الترابية الأصلية جنوبي حي العامل الأولى لبناء معهد صناعة ومدرسة مهنية، وكان (هلال العامل) اذا لعب مباراة يخرج شباب المدينة ورجالها عن بكرة أبيهم لتشجيعه واذا ما فاز تحتفل المدينة احتفالا مهيبا وتمتليء الشوارع بالبهجة تنتهي عند مقره في مقهى ابو رعد، فيما المقاهي هناك محطات ثقافية ورياضية واشهرها مقهى (حسين إعزيز) ومقهى (ابو صافي) ومقهى (ابو خلود)، هذه المقاهي التي كانت تمتليء بالشباب وتقام على اطرافها مطاعم واسواق لا سيما مع اول دخول التلفزيون، لكن هذه المقاهي بدأت بالتلاشي مع بدء الحرب العراقية الايرانية وبعد ان اصبحت تحت انظار السلطات بحثا عن الهاربين من الجيش، وهناك السوق الشهير (سوق المكاصيص) الذي يعد اول سوق شعبي في المنطقة وفيه محال ودكاكين اشتهر اصحابها مثل ابو زيتون (الملا جبر)  وأم هليل بائعة الخضراوات وملا عواد صاحب الدكان وأم عبد بائعة الصمون الحار صباحا وابو شكرية بائع الايس كريم الذي كان يؤجر العربات الجميلة للاخرين وراضي مصلح (البريمزات)، والناس هناك يذكرون كيف ان المنطقة كانت تعتمد على انبوب ماء بحنفية واحدة يقع على اطرافها وكانت تشاع عنه حكايات عن الجني أو الطنطل الذي يلاحق كل امرأة تأتي لتأخذ الماء وقت الغروب فكان يمزح معها باسقاط القدر أو الانية التي تسمى (المصخنة) من رأسها لاكثر من مرة، وهذا المكان تحول فيما بعد الى ساحة العاب العيد لصاحبها ابو عدنان (هاشم عذيب)، كما تذكر الناس وقت الفيضان اواسط الستينات حيث غرقت البيوت الى فتحت كسرة في الحاجز الترابي المؤدي الى المستنقع الذي يسمى (شطيط)، يذكر ان اواسط السبعينات تم مد انابيب الماء وفيما بعد المجاري وفي بداية الثمانينات جرى تبليط الشوارع، علما ان تنصيب الهواتف للبيوت بدأ عام 1982.
أما حي العامل الثالثة فبدأت بالتكون بداية السبعينات وكانت مفتوحة بشكل كامل على شارع المطار حيث كان هناك تمثال عباس ابن فرناس، الذي تم نقله الى حي الفرات عام 1979 بسبب انشاء جسر يربط حي العامل بنفق الشرطة، هذا الجسر بنته شركة هندية وانتهت منه بداية الثمانينات، واشتهرت بكون نهاية خط مصلحة نقل الركاب 84 كانت في طرفها من الشارع الذي يفصلها عن حي العامل الثانية، لكن الطريف ان هذه (الثالثة) منذ مطلع الثمانينات اشتهرت بدلالة بيت اللاعب احمد راضي، فمن يشير اليها او الى شيء ما فيها لابد ان يوضح ذلك بدلالة بيت أهل اللاعب احمد، لكن المنطقة في سنواتها الأخيرة اشتهرت بالبيت الياباني!!.
 
غياب الملامح
 لكن المدينة الجميلة تغيرت كثيرا، تبدلت ملامح اغلب أماكنها لاسيما شارع 60 الذي الغى كل البيوت وتحول الى شارع بيع اطارات تكومت على الرصيف فيما اجزاء منه احتلتها مواد البناء وفوضى المحال التجارية التي تخرج اغراضها بشكل مريع، واغلقت مقهى 7 نيسان التي يتجمع فيها وقربها عمال البناء بعد ان دمرت التفجيرات الارهابية كل ما حولها لكن شارعها العرضي اصبح اسوأ شارع لانه مليء بمواد البناء التي تصل ذيولها الى نهر الشارع الذي ما ان تمر سيارة فيه حتى ترتفع سحب التراب والغبار، فيما المدينة لم تعد في اغلب بيوتها تلك الحدائق المنزلية الجميلة، بل ان البيوت انشطرت الى بيتين واكثر وساءت احوالها فضلا عن الكثير من اهاليها غادروها ولم يعد المشي فيها يبعث على المتعة، الا في بعض الأماكن ومعنى هذا انها تحتاج الى جهد بلدي كبير لاعادة هيبتها لها.