اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
فقر الدم الوطني
فقر الدم الوطني
 حسن العاني
كان أقرب الأصدقاء إلى روحي، وهاهي مراحل الدراسة المتوسطة والاعدادية والجامعية تعمق تلك الصداقة، كنا لا نفترق ابداً، في المحلة والمقهى وساحة كرة القدم والسينما والمسرح و.. وفجأة ركب رأسه وقرر مغادرة العراق بأية وسيلة أو طريقة، ولم ينتظر حتى ظهور النتائج ونحن في المرحلة الأخيرة من الكلية، وكان له ما أراد، وأقسم، ما مسني حزن في حياتي كما مسني بعد فراقه!!
28 سنة، وهو في بلاد الغربة، أعرف أخباره أعواماً، وتنقطع عني أعواماً فتأخذني المخاوف والظنون، هو الآن بعد شهرين على سقوط النظام يقف بين يدي وقد عاد من منفاه الاختياري بعد كل ذلك الترحال من بلد إلى بلد آخر، وهي الأحضان والدموع والقبل بعد أن (تعطلت لغة الكلام)، ثم تمضي بنا الأيام والأسابيع والشهور، وقد عاودنا سيرتنا الأولى، لا نكاد نفترق، ولم أكن أحدثه عن أوضاعنا في سنوات غربته إلا نادراً، لأنه يعرف تفصيلياً أعوام الجراد والرعب والحصار التي عانى منها العراق والعراقيون، كنت شديد الميل إلى حكاياته، والاستماع إلى متاعبه مع التشرد والجوع والغربة، وكيف أضطر إلى العمل نادلاً في أحد المطاعم، وحمالاً في أكثر من ميناء، وسائقاً في شركة صغيرة، ومترجماً في فندق، قبل أن يكوّن نفسه بعد التحاقه بالمعارضة، ونضاله المتميز معها لاسقاط النظام الدكتاتوري، ثم كيف قرر العودة إلى الوطن بعد تحريره.
عجيب أمر صديقي، فهو لم يتغير كثيراً، باستثناء ما تعلمه من سنوات الغربة في هذا البلد الأوروبي أو ذاك، كيف يكون واضحاً ومباشراً وصريحاً، وتخلّص إلى حد كبير من المجاملات الزائفة واللف والدوران والحياء والخجل والتردد.. إن ما يجري على لسانه هو ما يدور في رأسه، ولذلك كان يقول لي مثلاً، إنه لا يحب أن يرى القوات الأجنبية في العراق، ولكنه من أكثر المتحمسين لعملية الغزو، فلولاهم –على حد تعبيره- لم يتحرر البلد من شبح صدام حسين المرعب، ولم نحصل على حريتنا ونبني دولة ديمقراطية، ولم يُخْفِ عني بأنهم منحوه صفة مستشار براتب (10) آلاف دولار، وعند عودته إلى العراق بعد التحرير، حافظ على عنوانه القديم (مستشار) براتب (12) ألف دولار، وهو راتب مخيب للآمال ودون استحقاقه الطبيعي بكثير، لأنه لا يوازي تضحياته..
واضحاً كان الرجل معي وصريحاً، حيث أطلعني على أشياء كثيرة تخصُّ مواقفه النضالية، من بينها مجموعة مقالات، بعضها منشورة، وبعضها الآخر معدٌّ للنشر، تتناول العديد من القضايا الحساسة على حد وصفه، كالتجارب العملاقة الفدرالية والديمقراطية في بلدان العالم المتحضرة، وغيرها العديد من المقالات التي تناولت الشأن العراقي وتجربته الجديدة على وجه الخصوص، على إن نسبة كبيرة من تلك الكتابات، تمّ انجازها بعد عودته، وهي مكرسة للنقد (الموضوعي) –أو طغى عليها الطابع النقدي- وإنه كما يقول، شنّ هجوماً قاسياً، وبأعنف المفردات غير المستعملة، على العراقيين الذين رفضوا أو يرفضون العودة إلى الوطن تحت أية ذريعة، بعد ان تحقق حلم الحرية ولم يتورع عن وصفهم بالأنانيين والنفعيين، وإتهامهم بعدم القدرة على تحمل المسؤولية، بل وصفهم في إحدى مقالاته كما أخبرني، بأنهم يعانون من (فقر الدم الوطني)، ولكن هجومه الأشد ضراوة، انصبّ على الكتاب العراقيين في الخارج ممن ينتقدون ممارسات القوات متعددة الجنسيات لاخفاقها في إدارة البلد، وإنها المسؤول الأول عن الطائفية، ونَعَتَهم بالنص الحرفي [إنهم مجموعة من الضبابيين الذين يتعاونون مع فلول النظام السابق وتنظيم القاعدة، ويتلقون معوناتٍ ماليةً كبيرة من جهات مشبوهة]!!
الحقيقة.. ما كنت معنيّاً بأفكاره من قريب أو بعيد، فأنا رجل أخاف من السياسة، وإذا رأيتها تتخطى في جانب الكرخ، أهرب إلى جانب الرصافة، ولكنني كنتُ معجباً بجرأته وصراحته وعقليته الغربية، لأن معظم الكتاب الذين تولاهم بالهجوم، هم من أصدقائه المقربين الذين كانوا يناصبون النظام السابق العداء، ويعرف جيداً حجم وطنيتهم الحقيقية، غير إن أعظم ما أعجبني في جرأته وصراحته، هو قراره المفاجئ بمغادرة العراق، ليس فقط لأنه حصل على عقد بثلاثين ألف دولار في الخارج، وانما لكونه كذلك –كما يقول- قدّم ما عليه من تضحيات للوطن العزيز، وعلى الآخرين إكمال المسيرة النضالية!!