اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مقبرة الشعراء في الاهوار ابوذيات على شواهد القبور
 منظمة داري وطن متنقل بين حقول الوجع
 المسنون .. منسيون حتى في عيدهم العالمي قصص مؤلمة عن جحود الابناء
 الفوتوشوب طابور خامس بنكهة التكنلولجيا
 الصحة في غرفة الانعاش

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

تحقيق
 
الصحفيون الاجانب في العراق لم نتعرض للتهديد ولا نخاف الإ من المفخخات
الصحفيون الاجانب في العراق لم نتعرض للتهديد ولا نخاف الإ من المفخخات
ايه منصور حسن
 قد يبدو الأمر سهلا للغاية. عليك أنت كعراقي, حيثما تشق طريقك بين السيارات المفخخة, او أن تقف في زحام نتيجة مرور موكب لأحد المسؤولين! أو حتى وقوف الموت أمامك كل ثانية. لكن أن تمر هذه الحالات «السوريالية» لشخص خُلق من رحم مدينة لا تعرف شيئا عن هذه الحياة. فهذا ما لا يمكن تخيله إلا أن يكون مصحوبا بشحنات قلق وتوجس! 
هنا تحقيق عن عمل الصحفيين الأجانب في العراق، كيف يعيشون وكيف يعملون وكيف يواجهون ظروف البلاد الأمنية؟
 
العراق مغامرتي! 
مدير مكتب وكالة الصحافة الفرنسيةAFP , جون مارك. يرى ان قرار حضوره إلى بغداد يعود لخليط من الأسباب الشخصية والمهنية التي اسهمت في نمو حماسه للعمل في هذه المدينة، يقول:
قضيت وقتا طويلا نوعا ما في العراق منذ سنة 2003 إلى سنة 2005 واحببت الوقت الذي امضيته حقيقة، اذ تعرفت على العديد من الأصدقاء والزملاء الجيدين وكنت على علم بأني سأشعر بالارتياح هنا، لذا سٌعدت بالعودة مع فرصة منحي ادارة مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في بغداد وفرصة خوض تجربة مثيرة كصحفي أيضا!
ويؤكد جون مبتسما، ان العديد من الصحفيين، لا يحبذون فكرة العمل في بغداد لاسيما ان كان لديهم عوائل، بسبب ما يحملونه من فكرة على انه مكان خطر وليس من الممكن العيش هنا مع عوائلهم، وهذا ما يجعل الحياة الشخصية صعبة نوعا ما.، لذا فهم يستطيعون دائما ايجاد شخص ما للذهاب نحو جنيف أو بروكسل او مثل هذه الأماكن السهلة، لكنه ليس سهلا على الاطلاق, ايجاد شخص يرغب بالحضور الى بغداد! 
وهذا ما لم يؤثر بجون - برغم أنه أب لطفلين- الا انه اكمل طريقه متجها لهذه المدينة:
- لذلك عندما اخترت المجيء هنا لم يكن لدي اي منافسين من الوكالة الفرنسية لهذه الوظيفة.
 
مغامرة من نوع ما!
سألته مسرعة، إذن برغم علمك بخطورة المكان, كان تحديا لذاتك؟!
قال: انها مغامرة نوعا ما، لأكون صريحا، اذ لم أكن اتخيل بانه سيكون تحديا، حيث تم تعييني في هذه الوظيفة في شباط 2014 والمدير العام للوكالة الفرنسية في باريس قال لي ان مهمتك ستكون اعادة أخبار العراق للعالم وجعله مثيرا للاهتمام مجددا، اذ وبعد الانسحاب الأمريكي من العراق ولثلاث سنوات، كانت أخبار العراق شيئا ثانويا ولم يعد هناك من يكترث لسماع أخباره، كما ان العديد من وسائل الاعلام الأجنبية غادرت العراق وقتها والعديد من الصحف اغلقت مكاتبها وسرحوا موظفيهم وانتقلوا الى جزء آخر من الشرق الأوسط بسبب بداية أخبار الربيع العربي. حصلت على الوظيفة قبل ان يحتل داعش البلد اي قبل أحداث الموصل ووصلت للعراق في ذات اليوم الذي اعلن فيه البغدادي الخلافة. وهكذا عاد العراق الى صدارة الأخبار مجددا.
 
لم أتعرض للتهديد
يكمل جون فيما ينفي تعرضه للاختطاف أو التهديد من أي جهة لكنه وبلا شك يزيد من اصراره على البقاء للكتابة عنه.
- هذا عملي, لو فكرت بالمغادرة في كل مرة يحدث فيها شيء سيئ لكنت غادرت منذ زمن بعيد, التهديدات ضد العراقيين هي مختلفة عن التهديدات ضد الأجانب, الصحفيون العراقيون قد يكونون مستهدفين لعراقيتهم وليس لكونهم «صحفيين» حصرا، أما أنا فلا أعيش كما هم, حيث أسكن في شارع محصن ومحمٍ ولا أملك الحياة اليومية التي لديهم. 
ثم يستدرك جون, ليشير لي انه وكأي صحفي أجنبي, يحاول التغاضي عن الخوض في الجدالات السياسية, مع التشديد على ضرورة الدقة في نقل الخبر من دون التحيز لجهة معينة او ابداء الرأي الشخصي, وليس لأجل الحفاظ على حياته وحسب، بل لا رأي للصحفي! 
 
أنا هدف سهل للاختطاف
مراسلة الواشنطن بوست في بغداد ايرين كوننكهام تبدو مبتسمة وهي تخبرني عن لحظات عملها الأولى في بغداد: 
حدث الأمر عند دخول داعش الى العراق، منذ سنة تقريبا، اذ اقروا حضوري الى بغداد، مع ذلك كنت ومذ صغري متابعة جيدة لأخبار الحياة هنا في بغداد فكنت على علم تام بأن الوضع مهما كان خطيرا فهو أقل خطورة بكثير عن أحداث ٢٠٠٣ أو ٢٠٠٧، كما كنت أشعر ان من الضرورة وكصحفية، الحضور لبغداد في وقت كهذا. 
وفي سؤالي لها اذا ما كانت قد تعرضت لتهديد من حزب سياسي أو من جهة ما، اجابت:
لم أتعرض لتهديد صريح سوى في تويتر، حيث يصفني البعض بالطائفية والا مكان لي هنا، أو ان ما افعله سيشكل خطرا على حياتي، هذا الأمر يستفزني كثيرا لكني لا أخشاه، لكونه افتراضيا وحسب، اذ لو كانت الحكومة تجدنا هكذا، طائفيين حقا، أو اننا قد نحدث تأثيرا سلبيا، فستخرجنا أو لا تمنحنا الفيزا.
تسكت قليلا ثم تكمل:
لكني أخشى الخطف، برغم اني لا اخرج كثيرا، تضحك مكملة:
- يحدث ان اخرج مع بعض الأصدقاء، وأحيانا وحدي، لكني استمر بالتفكير ولكوني انثى وأجنبية، سأكون هدفا سهلا للاختطاف لأجل فدية أو مال. 
حسنا، وهل من وسيلة لاخراجك من هذا التوتر والخوف؟ 
تكمل ضحكتها: 
ان يعم العراق السلام فقط.! 
سألتها عن رأيها بالصحفي العراقي، وما الذي يفتقر اليه ليصل الى مستوى الحرفية كما الصحفيين الأجانب، تصمت قليلا ثم تجيب:
أغلب الصحفيين العراقيين لا يغطون غير تلك الأخبار الجيدة، الأخبار السلبية لاتظهر للناس، وهذا خاطئ، اذ على الناس ان تعرف الحقيقة كاملة مهما كانت مؤذية، وجب عليهم نقلها برغم كل شيء، ورغما عن مدرائهم أو الجهات التي تنتمي لها مؤسساتهم الاعلامية والصحفية.
وتعرب ايرين عن اعجابها الشديد بالتظاهرات برغم تراجعها هذه الأيام، لكن الأمر صار واضحا، ما يجوز وما لايجوز، اذ ترى ان من الرائع ان تحمي الشرطة المتظاهرين وهذا الأمر لم تشاهده في دول أخرى كمصر أو غيرها.
سيحدث التغيير لكن ببطء لان العراق في حالة حرب وهذا أمر مذهل بحد ذاته! 
.... 
الجميع رحلوا وما زلت هنا!
قد يبدو مكتب مدير مكتب نييورك تايمز في بغداد، تيم ارانكو، بعد ان استقبلنا بعبارة (مساكم الله بالخير) بلهجته المكسرة، خاليا الا من الأوراق والخرائط والصور بعد ان كان متخما بالصحفيين والعاملين. يصف ارانكو يومه الأول هنا في بغداد:
- في منتصف ٢٠٠٩، ادرجوا اعلانا، لمن يرغب بالعمل في العراق، كنت أشعر ان هنالك قصة ما عليها ان تخرج، فحضرت عام ٢٠١٠، اذ كان الامريكان لا يزالون في العراق، والمكتب مليء بالعاملين حتى اني لم أجد مكانا للنوم، فنمت على الأريكة، وبعد هذه السنين لم يتبق سواي.. يضحك وهو يكمل:
- خرج الامريكان وبقيت أنا، اذ لا وقت محددا لبقائي، ذهبت الى تركيا، وافتتحت مكتبا هناك، أسافر وأعود، وهكذا، كانت الأخبار غير محصورة بالعراق فقط، في السنة الأخيرة، أصبح الوضع (عراقيا فقط) !
يكمل ارانكو رحلته الى مدينة الموت، التي تؤكد خياله وتتفق معه حول الصورة التي رسمها لبغداد قبل وصوله، (صبات كونكريتية، جنود ونخيل)، مع وسواس عدم الشعور بالارتياح في بلد غريب ومليء بالحروب لكنه وحسب قوله الآن يشعر بالارتياح لدرجة انه لا يفكر بترك مقر العمل.
لاحظت مسبحة كان يمسكها وهو يتحدث، فسألته عنها ليجيبني:
-اووه! فروم ابو مالك! 
اذ يؤكد تيم انه يملك الكثير من المسابح، من أبي مالك، مدير المكتب في بغداد، وحاميهم كما يصفه تيم، وبعد سؤالي ما إذا كان قد تعرض لتهديد أو تعرضت حياته للخطر:
لم اتعرض لتهديد، المنزل مؤمن، ولدي أبو مالك، حتى اني في هذه السنوات تجولت في كل مكان في بغداد، لدرجة كنا نملك الوقت لنذهب الى الفلوجة لتناول الغداء ونعود، هناك أمر واحد اخشاه! وهو السيارات المفخخة. لكن برغم ذلك اعتدت الأمر حتى صرت في وسط الزحام اتناول البسكويت واتصفح الصحيفة من دون اي اهتمام بتلك الفوبيا. 
وبالحديث عن الخطر والموت والحياة والذكريات هنا برغم كل شيء، استرجع تيم بذاكرته لأحد المواقف:
مرة قرب ملعب الصناعة في بغداد، حدث الانفجار وقت كنت هناك، شعرت بخطر ان تنتهي حياتي، لكن أغلب المواقف واللحظات جميلة هنا، على الجسر، الحفلات والسموفونية والمهرجانات والشوارع الجميلة.  ومرة أخرى كنا عائدين من التاجي، فحدث انفجار قريب، واغلقت الشوارع، لكن لمجرد ان نزل ابو مالك حتى فتحوا الطريق لنا.
عندما قابلت السيد السيستاني
- فقط لكونكم أجانب ..سألته فقال:
- العراقيون بصورة عامة شعب مضايف، هناك تقاليد احبها فيهم وهي احترامهم للمقابل اذا ما كان من غير بلد، فلا يردوا احدا، اذ هنالك بعض الأمور لا أفعلها في الهاتف، استخدم هذه الحيلة، حيلة الضيافة، ومرة ذهبت لمقابلة السيد السيستاني، وقفت عند الباب ومن دون دعوة أو خبر مسبق لهم، اخبرتهم بنية لقائي به، فادخلوني عليه مباشرة! 
وعن الصحافة المستقلة يكمل تيم والمسبحة لا تزال بيده،  لا صحافة مستقلة في العراق، وعليها التطور عن طريق الاعلانات، أو بواسطة شخص ثري مستقل. وهنا تكمن صعوبة الأمر، اذ لا يستطيع البعض دفع المال، لكن الأحزاب تدفع أموالا، وهذا ما يضطر الصحفي ان يفعله، وهو العمل لجهة معينة. لكن عليه ان يكون محايدا في جميع الأحوال ويعرف الجهة التي انضم لها. 
يسألني سؤالا محرجا بعض الشيء: 
اخبريني أنت، هل هنالك صحافة مستقلة في العراق؟ 
ابتسم له ولا أعرف بما أجيبه!