اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تناسل الشعراء الشعبيين.. اغناء للشعر أم أستسهال لكتابته؟
 المرأة والفلسفة .. طلاق بعد زواج عقيم
 رحلة غارسيا ماركيز الى ماكوندو
 الثقافة العراقية ومسؤولية الجينات
 غياب الناشر العراقي عن بورصات الكتب العالمية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

الثقافية
 
عقيل علي الخبز والتنور والشاعر
عقيل علي الخبز والتنور والشاعر
جاسم عاصي
 ثلاثة خصال، بل مراحل أو محطات أطّرت حياة الشاعر (عقيل علي) وهو الذي  سعى إلى مرافئها باستمرار دونما كلل أو ملل. مازالت صورته فتى تحتفي به المدينة الغارقة في زحمة وجودها المعرفي. حشد من المثقفين والمنتجين للنصوص
وعقيل بينهم ومنهم، لكنه يركن دائماً في مخبزه، يضمه الحيّز الصغير ذو الفم النافث للحمم، منتظراً نضوج ناره بهدوء  مراقباً دنو لحظة تسكن فيها تلك النار ريثما يصفف فِسَقْ العجين كالكرات على منضدة معفرة بالطحين. مراقباً فم التنور، ماسكاً بقطعة الخيش المبللة بالماء. سرعان ما يغمر ساعده في الجوف اللاهب، مدوّراً القطعة المبللة على جدران باطن التنور فيحمّر وجهه الجميل الصافي. وحين يبدأ بفرش العجينة الأولى على المخدة، مودعاً إياها جوف التنور؛ حتى تترى الأٌقراص تتعقب أثر بعضها. إذ يتواصل بهذا الفعل حتى الظهيرة. يوّزع الخبز على المشترين، بينما يغادر الجميع واجهة المخبز، يبقى عقيل وسط ناره المتواصلة السعير. ربما تراوده أبيات من قصيدة، يحفظها طيلة عمله، منتظراً انتهاء وجبته كي يودع حرارتها على  سطح الورق الصقيل. نما جسده وشعره وسط فيض التنانير، بينما يغادر كل من يلبي حاجته من أقراص الخبز يومياً. وهو ضمن معادلة البقاء والمغادرة التي تشده إلى مكانه. لا يدري مستقبله يكون معقوداً مع الرصيف؛ ملاذه الأخير، فراشه ووسادته، يمكث على تعرجاته، ويموت على واحدة من مصاطبه.
عقيل علي؛ شاعر بدأ مسيرته الشعرية معتمداً على موهبته ونزوعه الهادئ للتمرد، وشروعه إلى القول الشعري مبكراً. انتبه له الشاعران ( خالد الأمين، كاظم جهاد) ومن كان مقرّباً منه، إلا صاحب المخبز الذي تربطه معه النار والطحين والعجين . توسعت معارفه حيث عبرت الحدود، وعرفه شعراء مهمون في الساحة الشعرية العربية ومنهم (أدونيس، وخالد المعالي ) طُبعت دواوينه في أشهر دور النشر ( دار الجمل) قرأها الجميع، وقيل عنه الكثير، غير أنه كان من باب التشكيك بموهبته، لكنه صمد أمام كل ما قيل محترماً شعره، بينما بقي أسير غربته في الوطن، لا أقول مشرداً، بل ضائع على الأرصفة. إنه من شعراء الغضب والرفض في توجهه، والفطرة علمته أن لا مكان له إلا بين أقرانه، ثم تطوّر ذلك ألا علاقة له مع من هم على موقف الرفض لواقع مرير. قد يشبه فتى آخر كرامبو، لكنه حافظ على خصوصيته. فشعره بسيط بساطة حياته اليومية، لكنه أنتج شعراً معارضاً لم تغازل قصائده الوجوه القبيحة في الحياة. فهو رافض للأقنعة التي يصفها السياسيون بالانتهازية. يجمع أقرانه ما يكتبه، لأنه بلا رفوف وأدراج لمكتبة خاصة، فمأواه لا يحفل ببهرجة كهذه. جيوبه هي الأدراج ، لكن أصدقاءه ككاظم جهاد كان أميناً على ما تُدلي به قريحة عقيل، فنظمها في دواوين صدرت في حينها، وأحدثت لغطاً يُحسد عليه الشاعر. كان مجمله أتخذ موقف عدم العارف بموهبة شاعر فتى انحدر من الجنوب ـ يحمل ثقل المعارف منذ بدء التأريخ، لا تسيّره سوى الجينات المعرفية، دخل إليها بلا أوسمة سوى الشعر. لا جاه سياسي يركن إليه، ولا قرابة اجتماعية تُدنيه من وجوه السلطة، إنه محارب عدّته الشعر لا غير. فاكتفى بها عدّة ووقاية من عوادي الزمن. ماذا يعمل في بغداد والمخابز قد اكتفت بعمالها، ولا هو بحاجة إلى التقرّب من التنور بقدر ما كانت رغبته أن يقترب من الشعر والشعراء. وحين وجد من يقف منه موقف المتشكك، اكتفى بصداقة ذاته الشعرية، مقترناً بالأمكنة المنزوية التي لا تليق بفتى وشاعر موهوب. لكنها حكمة المُدن مع مبدعيها، تغفل عنهم تعمداً، ثم تسحقهم حتى العظم، وتأسف لرحيلهم، فتقيم لهم القُدّاس على نحو خجول. شاعر بلا مأوى يركن إليه، فالمدينة الواسعة مأواه، ترك عياله في الجنوب القصّي، متلذذاً بحياته البوهيمية، التي صاغت قصائده. عرفته منذ الصبا، لكني تعرفت عليه أكثر كذاكرة وتربية، حين كان يُشاهدني صدفة في بغداد، يفتح عينيه بعد غيبوبة، يحاول تركيز قامته النحيلة، يطلق عبارات جميلة، قائلاً: إنها لا تليق إلا لشخصك. أحببته عن بُعد، وكم كنت أشتاق لرؤيته. لكن غيابه طال كثيراً منذ أن غادر نار تنوره منحدراً إلى ما يسوغه الشعر لحياته التي لا يحلم بها. (عقيل علي) شاعر قُذِفَ مرغماً إلى الحياة البوهيمية. ولم يحتضنه الواقع كما هم أقرانه.