اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مقبرة الشعراء في الاهوار ابوذيات على شواهد القبور
 منظمة داري وطن متنقل بين حقول الوجع
 الصحفيون الاجانب في العراق لم نتعرض للتهديد ولا نخاف الإ من المفخخات
 الفوتوشوب طابور خامس بنكهة التكنلولجيا
 الصحة في غرفة الانعاش

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

تحقيق
 
المسنون .. منسيون حتى في عيدهم العالمي قصص مؤلمة عن جحود الابناء
المسنون .. منسيون حتى في عيدهم العالمي قصص مؤلمة عن جحود الابناء
اياد عطية الخالدي
 ليس بوسع مديرة دار المسنين في الصليخ اقبال أحمد عبد اللطيف ان تزيل عن ذاكراتها ذلك الموقف المرير الذي هزها من الأعماق يوم كانت مديرة لدار مسنين أخرى في الرشاد، اذ جاء شاب ومعه والدته إلى الدار، وبعد ان تحدثت إليه المديرة بضرورة جلب الموافقات الأصولية وهوية الأحوال المدنية لكي تتمكن من ضم والدته إلى الدار، غادر الشاب مكتبها، لكنه ترك والدته خلف أسوار الدار، وبعد مرور نصف ساعة طرق أحد المارة على الباب ليخبرها ان هناك سيدة يبدو انها فارقت الحياة، وعندما تقدمت نحوها مع عدد من العاملين في الدار وجدتها بالفعل قد فارقت الحياة من هول صدمة الجحود التي لم يحتملها قلب تلك الأم
حاولت المديرة بشتى الوسائل الوصول لابنها الجاحد لكن بلا نتيجة ما اضطرها إلى استخراج جنسية غير اصولية بهدف اتمام مراسيم الدفن وقد حصلت على فتوى تتيح لها التصرف بهدف اجراء تلك المراسيم على وجه السرعة واختارت لها اسما ودفنت مجهولة الهوية تلعن روحها ذلك الشاب الجاحد إلى يوم الدين.. تلك ليست سوى قصة من بين قصص الجحود والنكران لأمهات حملن ابناءهن كرها ونذرن أعمارهن لتربيتهم ورؤيتهم أحسن الناس لكنه النكران عندما يموت الضمير وتتيبس المشاعر!
من يتذكر عيدهم؟!
مر عيد المسنين العالمي في الأول من تشرين الأول  مرور الكرام من دون ان يتذكره أحد سوى اولئك المسنين ومن يرعاهم في دورهم ويقيم لهم احتفالا بسيطا. عيد لم يكن في الواقع الا تعبيرا عن  تتجدد آلامهم فكل أم وكل أب يمضيان آخر خريف العمر بين جدران دار المسنين.. حين يتذكرون رحلة حياتهم وكيف تخلى عنهم الأبناء الذين منحوهم  أعمارهم لتربيتهم واسعادهم في عز الحاجة إليهم.
" الشبكة " عاشت مع المسنين مشاعر أمهات وآباء لابناء ألقوا بهم خلف أسوار دور المسنين للتخلص من عبء من تحمل كل همومهم خلال رحلة الحياة، في قصص تتناسل وتعيد نفسها كل يوم ولايبدو انها ستنتهي، اسمها عقوق الأبناء للآباء والأمهات.
وبرغم سعادتهم بوجود من يحتضنهم ويقدم لهم الرعاية التي كانوا يحلمون بتلقيها من ابنائهم الا ان الحزن الذي حاولوا مرارا  اخفاءه تمكن من احتلال قلوب أمهات وآباء دور المسنين مع شعور الوحدة ونكران الجميل. 
أم خالد وروتشلت!
في غرفة صغيرة مرتبة تحتوي على تلفزيون صغير وسرير نوم استقبلتنا السيدة خالدة الربيعي بابتسامة، عبرت فيها عن سرورها بوجود اعلام يتذكر المسنين ويسأل عنهم، "الخالة خالدة" كم أحبت ان نسميها بهذا الاسم، توفى زوجها ودفعتها الوحدة والحاجة إلى العيش في مجتمع يتفهم معاناتها، وهذا سبب وجودها في الدار، وقد أظهرت الخالة خالدة مستوى من الثقافة العالية وشرحت لنا ونحن ننصت بإعجاب لحديثها عن عالم الاجتماع روتشلت وقوله أنه "كلما تقدم العلم فأن الحياة تزداد صعوبة وهي تؤمن بما قاله هذا العالم.
وتعيد شريط ذكرياتها لتخبرنا انها في العام 1980 عندما كانت طالبة في الثانوية كتبت على الجدار الحر آنذاك مطالبة بإنشاء دور للمسنين من دون ان يخطر في بالها انها ستكون يوما ما نزيلة في هذه الدور.
أم خالد تقيم في الدار منذ عامين تقريبا، مؤكدة أنها فضلت الاقامة في الدار حتى لا تشعر بالوحدة وقد اشادت مرارا بمديرة الدار وتعاونها ورعايتها لها ولباقي المسنين هنا في الدار وعندما سألتها ان كانت تريد ان نلتقط لها صورة نهضت لترتدي حجابا جديدا لكنها طلبت ان نأتي لها بنسخة من المجلة.
وسألتها: عما اذا كان لديها بيت، أكدت أنها تمتلك بيتا صغيرا ولها جيران تعتز بهم وهم يأتون لزيارتها هنا في الدار كما انها تواظب على زيارتهم ولكنها عندما تكون وحدها لاتضمن مايمكن أن تتعرض له خاصة انها مريضة وتخاف الوحدة.
 
ابن خنوع وزوجة بلا ضمير
في غرفة ليست ببعيدة عن غرفة الحاجة أم خالد تسكن امرأة ستينية حفر الألم على وجهها اخاديد العذاب، حاولت ان تخفي ألمها بابتسامة مصطنعة، طلبت منها ان تحكي لنا سبب وجودها فعرفتنا باسمها الحقيقي لكنها اختارت لنفسها اسما هو أم منور، وهو اسم لاحد أولادها كما تقول. وبين كلمة وأخرى كانت الدموع تسيل برغم جهدها في اخفائها.
أم منور كانت تعيش مع ولدها المتزوج وهو كما تصفه ضعيف الحال وتسيطر عليه زوجته التي تسمعها يوميا كلاما جارحا بهدف ابعادها عن ولدها واسرته، وحتى عندما تشكي لابنها فهو يضع اللوم عليها. وفي أحد الأيام اهانتها زوجته كثيرا، اهانة، كما تقول أم منور، لايحتملها انسان، فقررت ان تغادر بيت ابنها وتأتي إلى الدار وبرغم خنوع ولدها وقبوله باهانة أمه فهي تتلمس له العذر، وتقول لقد جاء لزيارتي هنا من دون علم زوجته!
وعما اذا كان لها اخوة أجابت: لي اخ عميد ركن متقاعد وقد علم بوجودي هنا، وعرفت انه يأتي لتعبئة سيارته بالوقود من المحطة التي لاتبعد عن دار المسنين كثيرا، لكنه لم يكلف نفسه يوما ليزورني.
تؤكد أم منور انه لاينقصها شيء هنا، فالمشرفون على الدار يتعاملون معها بلطف وأخلاق عالية والمديرة تعطف عليها وتعاملها كأم لها، وتحصل على الرعاية الصحية والاهتمام لكنها تحن إلى العشرة الأسرية التي حرمتها منها زوجة ابنها.
ارتياح ولكن
أغلب المسنين في الدار اظهروا ارتياحا لاقامتهم هنا واعتبروا ان الدار هي منزلهم والنزلاء أهلهم  يرتبط بعضهم البعض بصداقات ويتبادلون الأحاديث.
ابو محمد له قصة مختلفة فهذا الرجل الستيني الذي يهتم بأناقته، يؤكد انه هنا لمرافقة ابنه الذي بلغ الأربعين وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة ويحتاج إلى رعايته. ويوضح انه متزوج من امرأة موظفة يعيش معها في منزلها بعد ان توفيت زوجته الأولى ويقول: يجب على الأبناء أن يبروا الأم والأب وتقديم البر والإحسان لهما في كل ساعة، قبل فوات الأوان، وساعة لاينفع الندم.
على جدار القلب
لكن أم رسل المسنة السبعينية حفرت على جدار قلبها صورة بنت وحيدة اعطتها كل حياتها بعد ان توفى والدها، وسهرت عليها الليالي وعاشت تربي أطفالها بعد زواجها، لكن رسل تركت والدتها وهاجرت إلى امريكا برفقة زوجها، وجلبت أمها إلى الدار وكل ما تفعله هو الاتصال بها بين شهر وآخر.
وسألت أم رسل أليس بامكانها ان تأخذها معها إلى اميركا؟ ثم قالت بعفويتها: لا أدري.
طلبات متزايدة
وتؤكد مديرة دار المسنين في الصليخ انعام أحمد عبد اللطيف ان هذه الدار التي افتتحت عام 2011 تستقبل النزلاء بعد احالتهم من قسم العاجزين في الوزارة على ان يكون الرجال قد تجاوزوا الـ 60 من عمرهم والنساء تجاوزن الـ55 سنة وهناك حالات استثنائية يتم استقبالها حصرا بموافقة وزير العمل والشؤون الاجتماعية ولدينا قسمان أحدهما للرجال والآخر للنساء.
 وتقول المديرة، التي امضت نحو (15) عاما من عمرها في عملها، ان افتتاح دار المسنين في الصليخ جاء بسبب تزايد عدد طلبات الشمول في رعاية الدار. وتضيف ان هناك طلبات عديدة تقدم لنا بشكل مباشر أو عبر الوزارة لكننا نعتذر عن قبولها لعدم تأهيل الطابق العلوي من الدار الذي نتوقع انجازه قريبا.
العقوق وأشياء أخرى
وتعتقد السيدة إنعام ان ضعف واهتزاز القيم الاجتماعية والاخلاقية هي أبرز الأسباب التي تقف وراء تخلي الأبناء عن رعاية آبائهم وامهاتهم ودفعهم إلى دور المسنين، فضلا عن مشكلات أسرية اجتماعية تتمثل برضوخ الزوج أو الزوجة لرغبة الآخر بعدم العيش مع الأب أو الأم ومعظم هذه المشكلات نجمت عن الحروب التي  مر بها المجتمع العراقي. 
وأوضحت السيدة المديرة انها زارت عددا من الدول الاوروبية فوجدت ان مهمة العناية بالمسنين تقع على عاتق منظمات المجتمع المدني فهذه هي المهمة الأساسية لانشاء منظمات ذات طابع اجتماعي انساني، أما دور الوزارة فهو دور ساند وداعم لهذه المنظمات وليس كما يحصل في بلدنا، فالوزارة تتكفل برعاية المسنين على الصعد كافة.
دعوة
وتساءلت مديرة دار المسنين في الصليخ اقبال أحمد عبد المجيد عن سبب اختفاء الاف المنظمات الانسانية التي تلقت دعما دوليا ومحليا كبيرا خلال الأعوام الماضية؟
وقالت ادعو، عبر مجلتكم، جميع المنظمات الانسانية إلى الاهتمام بالمسنين واشيد بشكل خاص بدار المسنين التي افتتحها السيد حسين الصدر منذ سنوات عدة.
اهتمام ورعاية
وخلال تجوالنا بين أروقة الدار برفقة مديرتها لمسنا اهتماما عالي المستوى بالنظافة وبتغذية المسنين. وصادف وجودنا حضور فريق طبي يواظب شهريا على زيارة الدار وتقديم تقارير عن معظم الجوانب الصحية والاجتماعية في الدار.
وتقول الباحثة الاجتماعية اخلاص احمد محمد ان التعامل مع المسنين يجب ان يراعي حساسيتهم العالية، ولذلك تمكنت من اقامة علاقات صداقة معهم اتسمت بالمحبة والثقة العالية ولذلك تمكنت من حل جميع المشكلات التي تحصل بينهم.
وتقول الدكتورة شهباء احمد هادي ان فريقها الطبي يقوم باجراء فحوص عامة لكل النزلاء في الدار ويقوم باحالة من يحتاجونها إلى المستشفيات الكبيرة.
وتؤكد زميلتها بروين حسين ان هناك ملفا خاصا لكل نزيل يتضمن معلومات وافية عن حالته الصحية فضلا عن ان فريقنا يأخذ عينات من التحاليل ويقوم بفحصها في مركز الدهاليك الصحي أو المختبرات المخصصة التابعة لوزارة الصحة.
صالة رشاقة
وفضلا عن الزيارات الدورية للفريق الصحي فان لدى الدار عيادة صحية صغيرة تلبي متطلبات الحالات الطارئة ويديرها الطبيب علي محمد جاسم الذي قال ان أغلب المسنين يعانون من الأمراض المزمنة واقوم بارسال الحالات الطارئة إلى المستشفيات القريبة ان تطلب الأمر.
مقابل العيادة لفت نظرنا وجود صالة رشاقة تناسب أعمار المسنين، هي جزء من خدمات عديدة تقدمها الدار تبدأ من الرعاية الصحية ولاتنتهي بالسفرات الترويحية التي تلائم ميولهم ورغباتهم.