اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 رومانسية الحداثة
 ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
 نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
 جدارية فائق حسن والسلام المفقود
 نصب "العامل" في ساحة أم البروم صراع المقبرة مع المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 ناصر الحجاج
يقال إن الجنون "فنون"، لكن الجنون هو أقرب الملاجئ إلى العقلاء، ألا ترى الناس يهرعون إليه حين لا يجدون تفسيرا لشجاعة تفوق الخيال، أو ارادة تفوق الإرادات، أو فكرة تطيح بالأفكار، بل إن أغلب الحكومات المستبدة تتهم خصومها السياسيين بالجنون للهروب من الاقرار بوجود خصم قادر على مواجهتها. وطالما اتُّهِم الأنبياء بأنهم سحرة أو مجانين، لإيمانهم العميق بقدراتهم على تغيير العالم بالكلمات " كذلك مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ـ الذاريات52"، فالنبوءة والجنون يلتقيان في كثير من الملامح لعل أبرزهما خرق المعتاد وتجاوز المعقول، ومنها الإيمان بالغيب تماما مثل خيال الشعر ومجازاته واستعارات القصائد التي تخوض في كل واد من أودية عبقر. 
ولعل العبقرية نفسها أو الجنون عينه ما يدفع العباقرة إلى اجتراح ابداعهم في الفنون والعلوم وفي الانسانيات، فتراهم بعد انجازاتهم الكبرى يغسلون الطين عن أيديهم وينامون ملء جفونهم، تاركين البشرية حيرى في تفسير تلك المنجزات: "أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا  وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ" ـ المتنبي. 
لهذا قد يبدو من الجنون أن يجرؤ فنان تشكيلي مهما علا شأنه على اجتراح نصب فني يمثل شخصية أحمد بن الحسين أبي الطيب المتنبي، في كبرياء فروسيتها، وعبقرية حكمتها، وبراعة شاعريتها، تلك الشخصية التي "ملأت الدنيا وشغلت الناس" واجتمعت فيها الأضداد. 
لكن النحات العراقي المبدع محمد غني حكمت تصدى لهذه المهمة مستلهما روح المتنبي، وزهوه، أرضه وفراته، تأريخه الموغل في الإبداع فرفع قامة ذلك النصب البرونزي شامخة كأحد الآلهة السومرية بانحناءات تشبه خطوط ابن مقلة، وإيحاءات أرهفت تلك الكتلة الهائلة فصيرتها كرداء من الحرير يتمايل مع الريح. 
في العينين السومريتين الواسعتين مدى هائل من الرؤى، وفي اليد التي تشير إلى الأنا مركز الوجود كله، بارتياح كأنه يحيي ندمانه في مجلس سيف الدولة، أو يؤدي قسم الحياة أمام نفسه الأبية، وفي اليد الأخرى صرامة وجبروت يليقان بقربها من مقبض سيف أبى أن يفارقه حتى في مجالس الأمراء والملوك.. تعابير يصعب على غير محمد غني حكمت سليل أمجاد هذه الأرض أن يصورها، أو أن يجاري تداخلها وامتزاجها مع شخصية المتنبي المركبة كتعابيره في شعره، فلا نستغرب أن يسمي أبو العلاء المعري ديوان المتنبي بـ "معجز أحمد". 
ومثلما كان المتنبي مسافرا كالسندباد: "فما حاوَلْتُ في أرْضٍ مُقاماً  ولا أزْمَعْتُ عَن أرْضٍ زَوالا، على قَلَقٍ كأنّ الرّيحَ تَحْتِي  أُوَجّهُها جَنُوباً أوْ شَمَالاً " تنقل تمثاله من مكان إلى آخر، فقد غادر موقعه الأول أمام المكتبة الوطنية، مقابل وزارة الدفاع، منتقلا الى منطقة الكسرة في مدخل الأعظمية مقابل قسم الفنون المسرحية، ليختفي تماماً بعد عام 2003 من مكانه، وتم العثور عليه وتسليمه إلى قسم المصاهر في وزارة الثقافة العراقية وقد تعرض لأضرار بالغة.  
أظن أن أمكنة عديدة مر بها المتنبي في حياته تليق بأن تكون مقاما لتمثاله الشامخ، لكن أفضل الأمكنة التي تليق بالمتنبي هي مدينة السماوة تلك الواحة المطلة على الصحراء حيث تكونت شخصية المتنبي في طفولته، وحيث لاتزال روح الفروسية والشعر تمتزج بروح الثورة والكرم في تلك الأرض السومرية المعطاء.