اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 عراقيون يصنعون الابتسامة من "دفيني" الى "غوث"
 سبية نجت من قبضتة داعش تروي لـ "الشبكة" ايام محنتها
 الشبكة تكشف ملابسات جريمة شاحنة الموت
 شعائر الحزن العظيم .. عشرة أيام من المناحة الخالدة
 الفن العراقي يبكي جمهور موسكو من اجل السلام نحارب الارهاب

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

بانوراما
 
عراقيون يصنعون الابتسامة
عراقيون يصنعون الابتسامة
أيه منصور حسن
 ما أجمل النفس التي تسجل تأريخها، وتعيش أياما حافلة بالأحداث والمواقف والتجارب العظيمة، فتؤسس لحياة  على أرض خِصبة، لا ينضب عطاؤها على مدى الدهر، والروعة في انتقال النفس مِن شعورعادي إلى شعور مختلف، ومن فهم بسيط إلى فهم عظيم، ومن سعي الى سعي دؤوب،  حين تتجلى الانسانية في وسط زحمة المحن والشدائد، ووسط زوبعةِ الفتن والحروب. لتجسد تأريخا مشرفا تسرد حكايته الأرض التي ارتوت بدموع الحرمان وقسوة الحياة.
تأجيل الاحلام
من صناعة الأفلام والحياة الى ساحات القتال والموت، كان ذلك سؤالي، للمخرج السينمائي، المبتسم دائما احمد الزيدي، الذي قرر "تأجيل أحلامه لفترة معينة" ليضع وطنه نصب عينيه أولا. 
بعد عودته من جبهات القتال، تكلم أحمد عن تجربته هناك قائلا: حدث الأمر لي بعد فجيعة سبايكر بأسبوع، كنت قد هيأت حقيبتي للسفر لغرض اتمام ورشة عمل  في أميركا تمتد لشهر، يقيمها المركز العراقي المستقل للأفلام التابع للمخرج محمد الدراجي، لكني، وكما تفعلين الان بطرح الاسئلة، طرحت بعض الاسئلة على نفسي في اللحظات الأخيرة قبل سفري، ماذا سأفعل أو سأقدم لهذا الوطن؟ لم السفر الآن ووطني يمر بهذه الظروف العصيبة؟ الكثير من الأسئلة التي اخترقت عقلي مع تراكم الأخبار والصور والأحداث، كل تلك الأسئلة والتراكمات جعلتني اتخذ قرارا لإكمال رسالتي وانا في جبهات الحرب، وهكذا نقلت الملابس من حقيبة سفري لاميركا، الى حقيبة أخرى بها وطني. يكمل احمد - المخرج السينمائي الذي اخرج فيلما بعنوان "كريم" عن شخص من مواليد ١٩٨٨ ومنذ ولادته وهو يعيش الحرب، مشاركا في عدة مهرجانات ومدن كالمغرب وتونس-. عن انطلاقته الأولى التي كانت في قاعدة بلد التي تعد، اكبر قاعدة جوية في المنطقة. إذ يدخل احمد وعدد من الجنود اثناء القتال، وهو يحمل كاميرته، حيث يقوم بالتصوير كمراسل حربي ايضا، نظرا لتمكنه من الكاميرا، فيما يضطر احيانا، وفي حالات الحصار واشتداد المعارك، الى تركيب الكاميرا على السلاح، ليبدأ قتاله وتصويره وليصطاد عصفورين بحجر واحد، كما يقول احمد وهو مبتسم كعادته! فيبدو انتصارا له، ان يوثق لحظات قتاله ايضا.. 
أقبل بالموت لأجل وطني
وعند سؤالي له، اذا ما شعر بأي نوع من الندم أو الخوف، لتركه حياته الخاصة، ورشة العمل، والتصوير السينمائي، عند وصوله الجبهة أجابني بحماس:
-ابدا! انا أقبل بالموت لأجل وطني، لم تعد تعنيني تلك الأمور، فحالما وصلت هنا تغير لي الكثير من المفاهيم مع اصوات الرصاص واندفاع اصدقائي وشجاعتهم، مع استشهاد كل شخص، ازداد اصرارا على خطوتي هذه، كان لي حلم صغير ومازال أمام من سقطوا مع أحلامهم وامنياتهم، صرت حاملا حتى اللحظة بيدي اكثر من ٦٠ شهيدا وبأعمار شابة وأحلام لاتزال فتية. سأوثقهم واعرضهم للعالم واعود لمزاولة هوايتي من خلالهم!.
 
حداد، كل يوم ومعلم لساعتين! 
في البدء، كنت اظن ان قصي، معلم، ليستلهم طاقته أيام العطلة في تدريس الطلبة من الفقراء والأيتام والنازحين، لكنه صدمني. حينما اخبرني، انه يعمل حدادا، ليجعلني أخبره مباشرة وأنا افكر:  
- اذن، ما الذي دفعك لفعل هذا؟، التدريس ليست مهنة هينة! فيجيبني وبثقة كبيرة:
- لست من أصحاب القرارات لأقدم شيئا اكبر لهؤلاء الصغار، الذين لا حول لهم ولا قوة، والذين اجبرتهم الظروف على ترك دراستهم. وجدت ان هذه هي قابليتي وقدرتي على مساعدة الآخرين، وهو تعليمهم طالما استطيع ذلك وان لم اكن معلما، حدث الأمر حينما خرج ابني مكملا بمادة الرياضيات في الصف السادس الابتدائي، فكنت وبعد عودتي من العمل والاستراحة قليلا،. اقوم بتدريسه. اخبرني مرة ان له صديقا يتيم الأب، انتقل من محافظة أخرى الى المدرسة في وقت متأخر من العام الدراسي، وخرج بنتيجة متدنية في جميع المواد، عوضا عن انه لا يملك من يقوم بتدريسه، اقترحت عليه ان يخبره بغرض تعليمي له معه، ثم بعد ذلك عرفت ان أحد أبناء الجيران مكمل ايضا ولا تملك عائلته الامكانية لدفع المبلغ المالي المخصص لمعلم خصوصي. هكذا خطر في بالي ان اجمع اكبر عدد ممكن من الطلبة المتعففين والايتام والنازحين، لتدريسهم. 
يضيف قصي، الذي بدأ الفكرة بثلاثة طلاب، حتى صار عددهم اكثر من عشرين طالبا وطالبة، من الأيتام والنازحين، حيث كان يقوم بتدريسهم داخل شقته الصغيرة. بعدها وحالما بدأ العدد بالتزايد، ومع ارتفاع درجات الحرارة، قام بنقل معداته الى سطح العمارة، مع تبرع احد معارفه بالسبورة، كما قامت احدى قريباته وهي معلمة بارسال كميات من نسخ المناهج المدرسية له، اذ ان عددا من الطلبة لا يملك حتى امكانية شراء الكتب والدفاتر. ثم قام قصي ايضا بتوزيع القرطاسية لهم ليبدأ بمهمة الرسول. 
يرى قصي، الحداد، الذي يقوم الان بدراسة القانون ايضا عوضا عن مهنة الحدادة، ان المكافأة الكبرى التي يحصل عليها حقا، هي محبة الصغار له وجريهم نحوه حالما يصادفونه في الشارع، فضلا عن اللحظة التي سينجحون بها، كونه يقوم بتعليمهم مادتي الرياضيات والانجليزي وهما ما يستطيع قصي تعليمهما للطلبة، ويؤكد قصي ايضا، انه يفكر بإنشاء مؤسسة خيرية لمجهولي النسب والأيتام الذين باتوا يتكاثرون على الأرصفة. 
فصلت من العمل
مريم، (27عاما) فٌصلت من عملها، في احدى الشركات الأهلية، لكثرة تغيبها وعدم انتظامها في الدوام.. لكنها سعيدة بذلك القرار، بل وتضحك وهي تسرد لي حكايتها: 
- لا اعلم من اخبرهم بحقيقة ما أفعل واتغيب لأجله، في اللحظات التي اعقبت دخول النازحين، كنت قد سمعت من احدى المعلمات وهي صديقة لي، ان مجموعة من النازحين قد استقروا في مدرستي الابتدائية وهي الوحيدة في الحي، هم متروكون تقريبا وما من جهة تساعدهم. حيث وجدت نفسي اطرق منازل الجيران، بابا بابا، واخبرهم العبارة التي حفظتها عن ظهر قلب:
- هناك نازحون بحاجة للمعونة، اعطوني ما تجدونه مستحقا للعطاء. 
وفي الحقيقة، شعرت بسعادة غامرة وأنا أرى كميات الرز والبقوليات والسكر وحتى الملابس التي تٌسلم لي من قبل الناس. مرة ابكتني احدى النسوة وهي تخرج لي كيسا للرز، اذ أقسمت انه الأخير، وانها ستطبخ شيئا اخر لصغارها. صرت اوكل احد اصحاب العربات الخشبية معي، اطرق الباب، اخذ المادة، اسلمها له ليضعها في العربة، وهكذا. حتى في الاسبوع الأول جمعت ما يقارب المئتي كيلو أو اكثر.