اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
نم ياعدو الشعب
نم ياعدو الشعب
 عامر بدر حسون
amerbhassoun@gmail.com
مرحبا وليد!
وصلتني اليوم هذه التعزية:
"البقية في حياتك لقد رحل وليد جمعة وما من زوجة أو حبيبة تبكي عليه! رحمه الله "
اتعرف من أرسلها؟ انها كفاية، أم زيد، زوجة اخونا الذي سبقنا احمد المهنا!  
هل كنت تتوقع هذا منها؟! لقد انتبهتْ الى ان لا زوجة ولا حبيبة تبكي عليك.. لكأنها اعتبرت موتك، لهذا السبب، باطلا.. لاغيا.. كأنه لم يكن!..  فهل تريد ان تنهض وتتدبر لك زوجة أو حبيبة ثم تعود لتموت كالناس الطبيعيين؟
لا فائدة من هذا.. فانت لم تكن طبيعيا يوما ما.. كنت خارج المألوف دائما، وكنت الشرير والمتمرد والقاسي في سخريته وهجائه للاخرين.. وتعرف كم فرح بموتك من هجوتهم بلواذعك وسخريتك، (والكلام بيننا.. معهم حق!).. هناك صيغ جاهزة للمراثي، تشبه صيغ "كتابة الرسائل العصرية" على أيامنا، وهي مازالت موجودة ويتداولها الجميع عند كل رحيل.. لكن ولا واحدة منها تصلح لك، فانت لم تكن شاعر الشعب، ولم تكن الكاتب المعبر عن آماله وتطلعاته كما يقال... لقد كنت ضد الشعب، وضد الحكومات وضد القادة والاحزاب، ضد المشاهير في الأدب والفن والمجتمع وضد الصرعات والأفكار السائدة، بل كنت ضد عائلتك.. وقبل كل هذا كنت ضد نفسك!
كنتَ، واستعير هنا من ديستويفسكي، مصابا بـ "مرض شدة الادراك والوعي " وبهذا الادراك والذكاء الخارق (والمدمر) كنت تخترق اعماق ما حولك وتلتقط منه السواد والجبن والبخل الروحي فتنطلق باغنيتك شديدة الهجاء والسخرية غير آبه بتزايد اعدائك... قبل اكثر من ثلاثين عاما، وفي بيروت كنا نحن الشباب في قمة الثورية والأمل بالقضاء على الديكتاتورية في اسرع وقت: ستة اشهر، أو عام، أو عامين في الأكثر! لكنك كنت تتجول بيننا و"تبشرنا" بالقول:  - شدّة المنفى اول عشرين سنة والبقية هينة!
لم يسامحك أحد على نظرتك الثاقبة هذه!
 كنت عنيدا وعميقا وغاضبا وكارها، وتذكر يوم اقترحتُ عليك ان تقرأ قصيدة لشاعر عراقي، فرفضت قائلا: 
- لن أقرأها! اخشى ان تكون جيدة فاضطر لتغيير رأيي فيه! 
وكانت هذه من الطرائف التي تداولها الأصدقاء حتى اليوم.. وصادف انك كنت محقا فالشاعر المقصود تلاشى واندثر غير مأسوف عليه...  وكنت تقول لي: نساء العراق خير من رجاله! 
كنت تقول هذا كمن يصف واقع الحال.. حتى آمنت به من فرط التكرار.
وليد جمعة الراحل من يومين كان شديد البذاءة، فاحش القول، عنيفا وظالما في نقده وهجائه، ذكاؤه كان قاسيا وهو نفض يده مبكرا من المرحلة وابطالها...  كان يقول:  ان زمنا يسمح بصعود صدام حسين الى الحكم.. ميؤوس منه ومن بدائله!
ولطالما سألني أصدقاء عن المحبة التي بيني وبين وليد، وعدم تجاوزه معي في الكلام فلم اكن اعرف كيف أرد.. فالسؤال كان يأخذ صيغة التهمة!
ويا وليد.. نم بعيدا عنا وعن العراق! فلا أحد بحاجة لك اليوم. لقد اصبح عندنا هجاءون يعرفون كيف يحسبونها ومتى وكيف يقولونها ويستفيدون منها، وليس مثلما كنت تفعل انت.. ايها الخائب والضعيف في الحساب!
كنت تقول انك "تستطيع ان تعلم الميت على الكسل".. هذا غير صحيح فالموتى سرعان ما سيشكون منك! 
أم انك تعتقد ان الموتى يحبون سماع الحقيقة التي رفضوها يوم كانوا احياء؟
نم يا حبيبي... 
نم يا عدو الشعب!