اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب
 العبودية والاستبداد شباب الامس .. وشباب الجيل
 قصة البئر الأولى للنفط في العراق
 اول امرأة عراقية في هيئة الأمم المتحدة
 من فتاوى الشيخ محمد عبدة عام 1905

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

شبكة الايام
 
قصة فيروز.. لماذا يخفي الرحبانة فيروز عن الناس
قصة فيروز.. لماذا يخفي الرحبانة فيروز عن الناس
 نهاد حداد
أحد ما لا يمكن أن يصدق أن هذه الأم التي تشكو دائماً من رائحة البصل التي لا تريد أن تترك يديها هي فيروز، التي ترك صوتها عمقاً في كل قلب،وسمعته الدنيا كلها.قصة "نهاد حداد" تصلح إلى حد بعيد لأن تكون سيناريو فيلم  سينمائي..
في مقدمة الفيلم كمنظر مرغب أقترح وضع الصورة التالية:
*موسيقى غجرية.. منصور الرحباني يحمل البزق، أو الربابة، ويعزف عليه.. فيروز في وسط الحلقة تغني.. وهي مطرقة رأسها في حياء، على غير عادة الغجريات، وعاصي الرحباني، زوجها، يحمل طبلة من نوع المزهر  ويدور على المتفرجين ليلم الفلوس! 
ويتكرر هذا المشهد بحيث يظهر مرة ثانية في نهاية المسرحية، أقصد الفيلم، أو قبل النهاية بدقائق.
ذلك لأن القصة الواقعية التي تدور في أنطلياس على سفح الجبل الأخضر.. تعيش هذه
المرحلة الآن. 
منصور بين أفراد العائلة، هو الشاب الفنان المغرق في فنه، المغرق بحساسيته.
وفيروز هي الوسيلة.. هي الصوت الذهبي الذي يسكر الناس.. ويجمعهم.
وعاصي.. هو التاجر..
هو بلفظ لبناني صميم، المشارعجي، وهو الذي يلف بذكائه عائلة الرحابنة.
ويلف تحت إبطه الوسط الفني.. في لبنان.. وربما في الشرق.
في الكورس
بعد المقدمة يسير السيناريو هكذا:
فتاة في الخامسة عشرة من عمرها.. في مدرسة، مع زميلاتها في أحد الصفوف.. تضبطها الناظرة وهي تغني.. تضربها، تترك المدرسة.. تهرب من قسوة الناظرة، وتنفلت إلى حقول التفاح لتغني وتجمع القروش القليلة وتخفيها في يد والدها عامل المطبعة الفقير، ولم يتصور أبو نهاد  وقتئذ انه سيصبح يوماً والد فيروز.. ذات الصوت المخملي.
 وتاه صوت فيروز بعد أيام في كورس الإذاعة اللبنانية..
والتقط هذا الصوت بأذنه الموسيقية أحد أخوان فليفل، ملحناً النشيدين اللبناني والسوري. وقدمت فيروز عن طريقهما في أول حفلة عامة.  ومن تلك الحفلة التقطها عاصي الرحباني. التقطها وهو يتمتم: إنها قطعة الفيروز المسحورة التي طالما بحثت عنها. إنها الثالثة معي ومع منصور.
لنسر شوطاً في السيناريو.
أشهر.. وإذا بقلب الصبية الريفية يتفتح لشيء جديد غريب.. وأشهر أخرى فإذا بها تتوزع عازف الكمان.. عاصي الرحباني. ويبدأ تفتح الحياة على مصاريعها .. كلها.. يرتفع صوت فيروز ليبدأ غزو العالم العربي، في مدرسة جديدة ولون جديد يعجب المثقفين ويغري أنصاف المثقفين ويسمو في مخيلة كل أبناء الشعب العربي. وتعالوا في حركة مزج ننتقل إلى طرف آخر من حياة العائلة السعيدة الصاعدة. في البيت الذي يقبع فوق الطريق الأخضر على سفح أنطلياس سكان بسطاء.. زوج وزوجة وطفلان.
الزوجة ما زال يكسوها خفر الحقول.. لونها شاحب لطيف، وجهها بريء، وقسماتها في غاية الوداعة، يدها اليمنى تعبث بشعر صغيرها زياد، ويدها الأخرى تعبث بذقن صغيرتها هلي وعيناها أبداً متعلقتان بزوجها في كثير من الطاعة. أحد ما لا يمكن أن يصدق أن هذه الأم التي تشكو دائماً من رائحة البصل التي لا تريد أن تترك يديها.. هي فيروز، التي ترك صوتها عمقاً في كل قلب، وسمعته الدنيا كلها.
أحد ما لا يصدق أن هذه الريفية البسيطة التي لم تحول خزانة ثيابها إلى معرض أزياء لأنها لا تريد أن تتحول إلى عارضة.. يمكن أن تكون تلك التي انتشى العالم العربي بصوتها. أحد ما لا يصدق إذا أكدت له:
إنها في السادسة مع زقزقة الشحارير تصحو لتطعم طفليها ثم تنهض لتقشر البصل وتخرط  البقدونس، وتنقي البرغل لتصنع لزوجها التبولة .عدسات المصورين حاولت كثيراً أن تفسد برنامج الريفية، لتحوله إلى برنامج الفنانات المشهورات..  ولكنها فشلت.
 عقود السينما.. فشلت أيضاً.. إنها جد سعيدة مع زوجها.. قانعة بما يقدمه لها مع شقيقه منصور.
في لبنان
لننس الآن قصة السيناريو..  ولندخل البيت الأخضر.  ضيوفاً أعزاء. إن الكرم اللبناني يأبى إلا أن يمتعنا بغداء شهي.. كله من حواضر البيت.. وحواضر بيت الرحباني كثيرة.. جداً. ولكنك تلعن أجداد هذا الكرم، عندما تعلم أن فيروز ستعد لك الطعام بيدها. تقول: لماذا؟ وأقول لك: لهذه الأسباب. عاصي وفيروز ومنصور حولك.. فن لبنان كله أمامك.. بين يديك.. وأنت مشتاق لأن تسمع فيروز.. حتى من دون غناء. ولكن يحدث التالي: ما حدث معي، وقد يحدث معك ومع أي إنسان، خاصة الصحفيين منهم:
لم أكد افتح فمي لأسأل ولأجعل فيروز تتكلم حتى شممنا رائحة الشواط.. وذهبت فيروز لتبحث عن السر.
*وفي أول السؤال الثاني نهضت لتسكت ) زيادا(!
*وعند محاولتي طرح السؤال الثالث.. نهضت لتطعم هلي!
*وبعد السؤال الخامس.. أصبح الأكل جاهزاً..
*وما بين السؤالين العاشر والحادي عشر.. نهضت فيروز تعد المائدة.
*وعلى المائدة.. عندما وجهت آخر سؤال قلت فيه لفيروز:
*ما رأيك بصوت أم كلثوم؟ 
قال عاصي لفيروز: شوية مي بحياتك.. ونهضت فيروز. وأجاب عاصي:
-صوت أم كلثوم موهبة إلهية.. وأضاف: بس أيام أم كلثوم انتهت.. اللون اللي بتأديه أم كلثوم.. صار فولكلور.. ومع ذلك تعالوا نستعرض الأسئلة ما قبل الأخيرة.
موهبة كاملة
قلت لفيروز:
*هل ترتاحين أكثر لكلمات عاصي أو لكلمات منصور؟
وأجاب منصور:
-والله أنا وعاصي لا نعرف من منا يؤلف.. العمل ينتج من فكرة وفكرة، من كلمة وكلمة أحلى.. انه عمل تعاوني اشتراكي. وقد يقوم أحدنا بعمل كامل.. يؤلف قطعة.. أو يلحنها.. ثم يعرضها فوراً على الثاني.. ولايتصرف أحدنا إلا إذا أعلن الآخر رضاه. وكانت فيروز قد عادت.. عندما عدت إلى الكلام:  إذن لا جدوى من أن نعرف من المؤلف ومن الملحن منهما.. من هذين الأخوين؟ وتشاغلت فيروز بالنظر إلى عاصي .. ثم إلى منصور.. بينما قال عاصي:  نحن الأثنين موهبة كاملة.. لقد جمعتنا الطبيعة.. جمعا الوحي .. فلماذا تحاول أن تفرقنا؟ 
قلت لفيروز:
*لماذا تنطوين على نفسك.. ولا تظهرين في المجتمعات؟
-ولا أدري كيف اختفت فيروز..  وسمعت عاصي يجيب:  من قال هذا.. إننا باستمرار وفي كل الأندية الفنية، وفي كل بلد نكون مع فيروز أو تكون فيروز معنا، لم تختف فيروز أبداً.. ولا حاولت، ولا حاولنا نحن أن نخفيها. ولكن لا نؤمن بالظهور.. كما يفعل الغير. إن فيروز فنانة مجتهدة.. فنانة تعمل ليومها.. ولغدها الأحسن دائماً والعمل لا يقتضي الحفلات وألوان تضييع الوقت. فنحن نحترم الوقت، ونؤمن بأنه قد يتحول إلى ضياع، وقد يتحول إلى ذهب ومجد، وهذا هو الأهم. ثم إن اللواتي، أو الذين يعتقدون أن الفن يعني التهتك، والخلاعة، والمجون، والعربدة.. أحرار. لأننا نعتبره عملاً متواصلا. ورسالة. نحن لا نستطيع أن نتصور الفنانة عارضة أزياء.. أو تستخدم بيتها كفندق. ولنا من بيتنا ما يغرينا على أن نعاشره. ولنا من فننا ما يغرينا على أن نعمل أبداً في سبيل هذا الفن. وما سوى بيتنا وعملنا الفني.. لا يغرينا. 
شهادة عبد الوهاب
وسمعت الدرس البليغ كله.. وأخذت موقف المفكر حتى عادت فيروز. وعدت أقول لها:
*ما عندك من الأغاني الجديدة؟ 
وطبعاً تصدى عاصي للجواب:
 نحن مشغولون الآن بعدة أشياء.. سأشرحها لك بالتالي:
-الحفلات التي سنقيمها في لندن)عرضت هذه الحفلات منذ أيام( وقد أعددنا لها ما يرفع رأسنا هناك.
-موسم مهرجانات بعلبك: ونحن نعد له الآن أشياء جديدة، تختلف عما عرضنا في العام الماضي.
موسم معرض دمشق الدولي: ونعد لهذا الموسم أيضاً شيئاً خاصاً به. وقطعت الأمل في سؤال فيروز.. وقلت لعاصي، الناطق الرسمي باسم العائلة:
*والأغاني الخاصة بفيروز؟
-نعطيها حسب الطلب.
*ماذا تقصد؟
-أقصد أننا لا نسجل لحسابنا الخاص، وإنما نسجل حسب الطلبات التي تردنا من الإذاعات
والمؤسسات الفنية المختلفة.
* وأغاني عبد الوهاب القديمة؟
- لنا عودة إليها.
* والأغنية التي لحنها عبد الوهاب لفيروز؟
- غنت فيروز مقطوعة لعبد الوهاب عنوانها سهار بعد سهار  وتذاع الآن .
*والثانية؟
- تقصد شارع الضباب  لقد وجدنا أنها ليست لفيروز.. وآثرنا إلا تغنيها وقد غناها عبد الحليم حافظ.
*هل هذا يعني: الخوف من ألحان عبد الوهاب؟
 -أبدا، نحن أول من يقر بعبقرية عبد الوهاب، ولكننا أدرى بصوت فيروز، ومصلحة فيروز.. ثم لا تنسى أن عبد الوهاب اعترف بنا على الشكل المشرف، قال: إن لوننا جعل للفن اللبناني شخصية خاصة، وان الفضل يعود لنا في تقديم الفولكلور اللبناني. وقال عن فيروز: إنها تفيرز  أغنياتها وتضع لنفسها وبصوتها لوناً خاصاً متميزاً. 
واعترف عبد الوهاب بأننا في لبنان صنعنا من نغم البيات لحناً قوياً، وهذا يتعاكس مع طبيعة البيات، وكمثال أذكر: الميج.. أو مقدمتها.
وقال:  لقد لحن الرحابنة ربع الصوت.. وهذه معجزة فنية.
*وما رأيك بهذه الشهادات؟
-وسام يمنحنا إياه.. عميد الموسيقى العربية.
 تجاري!!
وعلى المائدة التي صنعتها فيروز.. جلسنا نكمل.  قلت لعاصي.. وفيروز بين حاضرة وغائبة:
* يقال أنكم تخفون فيروز عن الناس!
 -كيف؟
 *بالحفلات القليلة جداً.. التي لا تزيد على واحدة في مهرجان بعلبك وأخرى في معرض دمشق؟
- إننا نحب أن نحتفظ باستمرار بقيمتنا الفنية فنحن بهذا البعض نرفض أشياء من جملتها الثروة، ولكن رفض الثروة المجزأة سيقابله حرص على الثروة اللائقة بالفن.. والجهد.. هذا التعبير تجاري!!
 ولكنه منطقي أولا.. ويحترم فنه ونفسه ثانيا.. انه تعبيرنا الأزلي عن جميع مواضيعنا.. إنها الطريقة التي نعالج بها أمورنا.
مين بتشبه؟
ذات يوم كان عاصي الرحباني على حدود سورية مع زوجته.. حينما تصدى له الخفير الجمركي ليفتش السيارة...  كالعادة..
وبدأ الخفير يتفحص السيارة حينما لاحت منه التفاتة نحو فيروز وقال الخفير لعاصي: أخي بتسمح بكلمة؟
وأجاب عاصي: تفضل! وخرج من السيارة فأخذه الخفير جانبا وقال له:  بتعرف؟!
 لا والله.
 الست اللي جنبك!
 شو بها؟
 مين هي؟
 مرتي!
 سبحان الخالق.. صورة ناطقة عن فيروز.
وضحك عاصي.. ثم قال للخفير:
 وأنت بتعرف؟
 شو؟
 صار لي أربع سنين متجوزها .. وأنا عم بسأل يا ترى لمين بتشبه؟!
عدنان مراد
الجندي 12 / 6/ 1962