اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
يوم بكى رياض قاسم
يوم بكى رياض قاسم
عبد الزهرة زكي
 مثلما تعرفت على رياض قاسم من دون سابق قصد في ذلك التعارف سواء منه أم مني، فقد تلقيت خبر موته أيضاً بصدفة مفاجئة تماماً.
هذا مدخل للكتابة أوحت به إليّ طبيعة حياة رياض قاسم نفسه؛ حياة بقيت تمضي بتلقائية وبسلاسة، يمتزج فيها الضحك بالآهات، وتختلط المسرة بالأحزان، وتذوب المتعة بالتعاسة. 
هكذا يبدو رياض على حد سواء لمن كان يعرفه ولمن لا يعرفه؛ ليس ثمة مقاصد للتواري أو للظهور، لا تخطيط لتلك الحياة التي بدت، في ضوء تجربة رياض، ضرباً من العبث، لكنها بوجهها الأعمق ظلت حياة تمضي بتوازن دقيق. هل استعيد الآن خصومة له كانت مع صديقه الأعز مريوش، وصدفة التقينا ببيروت نحن الثلاثة؛ أخبرني بتخاصمه مع مريوش وطلب مني التدخل لانهاء الخلاف، وفي المساء كنا ثلاثتنا على مائدة واحدة على بحر بيروت بلا كلمة عتاب ولا أية إشارة لاعتذار أو أسف. لقد ابتدأ الإثنان من حيث افترقا وكأن شيئا لم يكن. في نهاية الجلسة التفت لي مريوش ضاحكاً: شوف هذا هو رياض قاسم، وهذا هو داعي المحبة بيننا.
لقد تعرفت عليه فجأةً؛ وكنت سعيداً بتلك المعرفة. وها أنا أقرأ فجأةً أيضاً خبراً ينعيه. هذا هو التجلي الأوضح لذلك التوازن ولتلك الاستقامة التي مضت بها مجريات حياة رياض قاسم؛ مرور هادئ لحياة شخصية وسط هذه الحياة العامة العاصفة. هذه هي طبيعة رياض في حياته التي تنجح حتى في اختيار أو عدم اختيار ميتته الهادئة. لم أتوقع كل هذا؛ ظللتُ حزيناً طيلة ذلك المساء في غمرة سلسلة اتصالات لم يجدِ أيٌّ منها من أجل تكذيب الخبر. لا جدوى؛ يئست فنمت، هذه هي عادتي في التعامل مع كل ما لا يسر من أخبار وأحداث ومفاجآت.
قبل أن نتعارف كان كلٌّ منا يعرف الآخر عن بعد. كان تعارفنا من خلال الشاعر وسام هاشم، صديقي أنا وابن عم رياض. بعد لحظات افترق وسام عنا ومضيت ورياض إلى مقهى قريب، تحدثنا عن تأريخ من سنوات جمعنا شتاته من خلال حيوات وتواريخ أصدقاء مشتركين بحيث أوحى لكلينا أننا متواصلان ومتعارفان منذ تلك السنوات معرفةً عميقة كانت تسمح بكل تلك الصراحة والحرية في التعبير في زمن ما كان يحتمل الصراحة ولا يطيق حرية التعبير.
لقد حدث هذا في الحين الذي كان قد بدأ فيه رياض قاسم ينفضّ عن العمل الصحفي مكتفياً لإدامة حياته بدكان صغير، كان قريباً من مبنى جريدة الجمهورية، وكان يدير من خلاله عملاً يشبه وكالة غير منتظمة لتوزيع ومتابعة الاعلانات التي يأتيه بها زملاء مهنة سابقون لينشرها هو في صحف تلك الأيام مقابل نسبة معينة من أجور الاعلان.
لم أسأل رياض في لقاء التعارف ذاك عما إذا كان قد توقف عن كتابة الشعر أو كان عازفا عن نشره.. هذا السؤال ظل يتأجل دائماً، فدائما كان رياض قاسم، وفي مختلف مناسبات لقاءاتنا التي تكررت، يتحدث في كل شيء ويندمج بحميمية في كثير من المجالات التي يأتي عليها الحديث بينما يظل نائيا عن أي حديث عن الشعر ونشر الشعر وعن أي كلام حواليه. لقد كنت وما زلت لا أفضّل، بمثل هذه الحالات، أن أقحم أحداً في شأن قد لا يكون راغباً في الحديث فيه، وهذا هو الانطباع الذي تكرس لي عن رياض.
لا أحسب أن قارئاً جمع وقرأ من الروايات ما كان قد قرأه رياض قاسم. لكن رياض ظل واحداً من كثيرين مروا بالحياة الثقافية العراقية، ومن أجيال مختلفة، وكانوا يحيون الثقافة والآداب أكثر مما ينشغلون بها، كتابةً أو ادعاءً. إنه نموذج قياسي لستينيين آخرين (غير ما نعرف من شعراء وفنانين وكتّاب)؛ إنه الستيني الذي كان يريد كلما تقدم أكثر في الحياة والتجربة، أن يتخفف من الثقافة كعبء، وأن يخفف عن الثقافة أعباءً متوهمة كثيرة كان مثقفو الستينات يريدونه منها.
لقد كان الضحك والسخرية والانقطاع منهما فجأة إلى ألم صامت هي استراتيجية رياض قاسم في كل ذلك.
واقعاً التقينا كثيراً خلال السنوات التي أعقبت تعارفنا، لكن سنوات مقهى الجماهير، ومع مجيء سهيل سامي نادر إلى المقهى، جعلت من تلك اللقاءات شبه يومية.
سهيل هو الصديق الأقرب بيننا والأقدم لرياض قاسم. مرات كثيرة عبّر سهيل عن تحرّج من بداهة سلوك وانتقادات وسخرية رياض في مواجهة آخرين من مجموعة المقهى ممن كان يعرفهم أو لا يعرفهم. كان سهيل يتحسب من عدم التفهم، لكن هذا هو رياض الذي لا تحتاج لأن تعرفه لتقبل منه سخريته وضحكه المجلجل، هذه هي وسيلته الايجابية لتفادي مأساة التعامل الجاد مع حياة تصنعها سخريات سوداء وتحطمها تراجيديات بلهاء.
قبل أشهر، وقد مضت قبلها أشهر لم نلتق فيها رياض، كنت مع صديق مشترك، وكنا نستعيد صورة رياض بيننا، قال لي الصديق: ربما أنت الوحيد بيننا الذي بقي رياض يحتفظ بمسافة معه لم يكسرها بمزاح أو سخرية.
حينها تألمت كثيراً؛ حيث استذكرت موقفاً حصل قبل سنوات كنت فيه ورياض بمهرجان كبير خارج بغداد.. حصلت التباسات في ذلك المهرجان اضطررت على إثرها أن أترك المهرجان والفندق مباشرةً وأقفل عائداً إلى بغداد، من دون أن يعرف بذلك أحد سوى رياض الذي استدنت منه مبلغاً يكفي لعودتي باطمئنان إلى بغداد. لم أصل إلى بيتي إلا بعد يومين في ظل ظروف قتل وخطف وسلب كانت تعيشها البلاد، وكانت الاتصالات الهاتفية وقتها سيئة وغير مؤمّنة معظم الأحيان.
بعد ساعة على وصولي البيت كان على الهاتف رياض، كان يبكي بحرقة، كان خائفاً ما إذا كنت قد تعرضت لحادث في الطريق، كان يريد انهاء المكالمة وقد اطمئن، وكنت هذه المرة أنا الذي يضحك ويسخر من ذلك البكاء النبيل.