اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
باب السيف : محلة بغدادية اتعبتها دائرة التقاعد العامة
باب السيف : محلة بغدادية اتعبتها دائرة التقاعد العامة
عبد الجبار العتابي / تصوير صباح الامارة
 عندما تنظر اليها من فوق جسر الشهداء.. لا ترى منها غير بناية مديرية التقاعد، مهيمنة عليها ومحيطة بواقعها الذي لا يظهر منه سوى بقايا محلة بغدادية قديمة وسوق كبير لبيع السمك، فيما الدخول الى اعماقها تفوح منه رائحة الأزمان الغابرة وكأنك ان اصغيت قليلا ستسمع الجدران والأزقة الضيقة وهي تحدثك عن الخطى التي مرت منها، وحكايتها مع نهر دجلة الذي تقف هذه المحلة قبالته مستمتعة بالنسمات التي تلوح على بيوتها وبالمنظر الجميل الذي تتأمله حيث جسر الشهداء على يسارها والمدرسة المستنصرية أمامها والنوارس تلهو على مقربة منها، فيما الزوارق الراسية على ضفة النهر ترسم لها منظرا بهيجا مزدانا بالحنين الى أيام خلت.
تراث عتيق وقديم
لا يوجد بينها وبين الشواكة حدود ولكن بينها وبين ساحة الشهداء المحاذية لها شارع واسلاك شائكة وحواجز  تدور حول البناية ومن ثم صار هنالك باب يغلق ويفتح حسب الدوام الرسمي لدائرة التقاعد العامة، تتبعثر حوله عربات باعة السمك اكثر من غيرهم من الباعة الآخرين، فالنظر من الأرض يصطدم بكل هذه الأشياء المعرقلة للنظرات على الرغم من ان المسافة بين الشارع والتقاعد ليست قصيرة، ومن يريد الذهاب اليها عليه ان يتخذ لها احد طريقين، إما ان يعود ادراجه الى ما وراء شارع حيفا فيصعد باتجاهها أو يخترق الممر الضيق بمحاذاة التقاعد (غربي البناية) ليوصله الى زقاق ضيق يفضي الى ازقة صغيرة وقصيرة تؤدي الى النهر ومن هناك تكون المحلة التي تحمل على جدرانها اسم (الكرخ /محلة 218) سانحة أمامه للتجوال، لكن المار بها سيشاهد تراثا عتيقا وقديما وبيوتا متداعية ما زالت تضع بعد الباب قطعة قماش كستارة ومازال المجرى المائي الصغير يشق نهر الدربونة التي رصفت بالطابوق المقرنص، فالأزقة تبعث في النفس الحنين الى الماضي، لكنما واقع البيوت لا يسر الناظر فهي آيلة الى السقوط وبعضها غير مسكون، وقد انتبهت الى ذلك الزقاق المتعرج الذي يؤدي الى جسر الشهداء بسهولة وفي اغلبه محال تجارية ومعامل صغيرة للجلود فوجدته قد تغير كثيرا، ومنه انتهيت الى ان ادخل المحلة من الزقاق الملتصق ببناية التقاعد، ثمة صور مغايرة تجسدت أمامي فالعتيق يلتقي مع الحديث فيشكلان تقاربا غريبا لابد منه وان كان سيئا لكن المكان هاديء جدا والابنية التراثية مثيرة بكل ما تحتوي من طرز وطابوق وخشب وأبواب وشبابيك وشناشيل ودرابين تتلوى وملامحها التي تسترعي التأمل وان كانت على شفا انهيار.
أصل الاسم 
اختلف الرواة عن معنى اسم (باب السيف) فهناك من يقول ان كلمة السيف تركية وتعني (ساحل النهر والبحر)، فيما هناك من يقول انه مكان وضع الغلال من الحنطة والشعير فتأتي السفن فتفرغ حمولتها في هذا المخزن الكبير الذي يبدو انه يقع ضمن منطقة اكبر اسمها (القرية) أو (القرية الغربية) كونها تقع غرب نهر دجلة تضم محلات (رأس الجسر وعلاوي الحلة والشواكة والدوريين والكريمات والباغي) وهي محلات صغيرة عشوائية متلاصقة جدا حملت اسماءها بالمصادفة.
 
أسماء ومسميات
   هناك وانا اتجول في المنطقة واجوب ازقتها ودرابينها تعرفت على العديد من الأسماء للاسر التي سكنتها وابرز معالمها مثل بيت عجوبة وبيت جروة وبيت دودة وبيت الوتار والقصبجي، وبيت النائب في البرلمان الملكي ضياء جعفر وبيت داود سلمان الغلاي وبيت علي قزة (الصفار) لاعب كرة السلة المعروف الى بيت (عكروك) وبيت (طاوة) الذي يرتبط اسمها بـ (خرافة) وهي ان (حوتة) (مؤنث الحوت!!) خرجت من الشط (نهر دجلة) وطرقت عليهم الباب وطلبت منهم طاوة!!، وشاعت الحكاية لتكون واقعية، كما تعرفت على مسجد السيف المطل جانبه على نهر دجلة، وكتب على بابه الرئيس انه عمّر من قبل الوالي داود باشا (عام 1830م)، وفي ارضه قبور لبعض الصالحين منهم قبر الامام ابي الحسن الأشعري وكذلك قبر (بابا زنكو) وهو هندي الأصل، وكان من الرجال الصالحين وقد هدم القبران من جملة ما تم تهديمه. مثلما سمعت عن امرأة اسمها (ملا فهيمة) وكذلك بيت الشاعر ملا عبود الكرخي القريب من المقهى البيروتي وبيت عبود كاظم الحارثي والد الفنان حمودي الحارثي الذي التقيته هناك وقال انه ولد وترعرع فيها، واضاف: لازلت قادرا على تشخيص البيت الذي ولدت فيه في منطقة (باب السيف) وحتى رقمه الذي ما زلت احفظه (68/9) ولا يمكن ان انساه، مثلما لا يمكن ان انسى ناسها وأهلها وبيوتاتها.
معالم وحكايات
     يقول حمودي الحارثي: السيف هو مكان وضع الغلال من الحنطة والشعير فتأتي السفن فتفرغهما وكان الحمالون من الكرد الفيلية الأقوياء الأبطال يحملون كل كيس (كونية) زنتها 100 كيلو غرام على اكتافههم ويعبرون ويضعونها في السيف الخان الكبير. 
 واضاف: حدودها من رأس الجسر ساحة الشهداء، جسر الشهداء ينسب الى باب السيف، وفيها حمامان من أقدم حمامات الاتراك وسوق السمك ومقهى البيروتي وخانات جيلة ودكاكين موجودة هناك وهناك مرقد من المراقد غير المعتمدة يسمونه (بنات الحسن) هذه كلها هدمت.
وتابع: المقهى مطل على النهر وهو اول مقهى في المحلة، وقد ازيلت هي والدكاكين والحمامان ومقام (بنات الحسن) والتراث الجميل من القبب والأقواس في زمن رئيس الوزراء طاهر يحيى وهو الذي اشرف على ازالتها، حتى قيل ان المقام (يشوّر) به أو يضرب الشفل ولكنه ازالها وجعل منها ساحة وعمل هذه البناية، في تلك المقهى كان يجلس فيها كل اقطاب الجبهة الوطنية التي تاسست عام 1956، هذه المنطقة كانت منخفضة وفي الفيضان الكبير عام 1956 وضعوا اكياسا من الرمل لكن الماء صعد فوق مستوى الأكياس واستمر ليوم أو يومين ثم هبط وهذا كان آخر فيضان، كان يسكن المحلة مسلمون ومن ثم سكنها الصابئة المندائيون.
توقفت عند دكان صغير لصاحبه أبو مازن، خليل ابراهيم جاسم الذي حدثني عن المحلة قائلا: أنا اسكن المنطقة منذ 50 عاما، وكان هناك (سيف) اي علوات (علاوي) لبيع الخضر، الذي هدموه وصارت مكانه بناية دائرة التقاعد.
واضاف: المحلة الان صارت (لملوم) بعد ان هجرها اغلب أهلها الأصليون، المنطقة القديمة وجيران العمر و(افتح الباب وادخل) مثل بيتك والمساعدة بين الجيران، الان لا يوجد الا القلة من القدامى من أهل المنطقة، كان في المنطقة مسيحيون لكنهم رحلوا، هناك من باع وهناك من ترك بيته وجاءت عوائل وسكنت تلك البيوت مجانا.
وختم بالقول: كانت المحلة احلى قبل بناية تشييد التقاعد ومنها كنا نشاهد القشلة وشارع النهر  وجسر الشهداء.
 
اجمل من باريس
    وخلال وجودنا في المحلة مرّ بنا شخص قال ان اسمه صباح، طبلنا منه التحدث عن المحلة، اعتذر لكنه قال: لو تنقل لي باريس ها هنا فأني أجد ان باب السيف افضل منها بألف مرة، كل ما فيها يعجبني، حتى وان هاجرها الكثير من اهلها، فالذي يأتي اليها يتعلم طبع اهلها ولا تلقى منهم أي أذى.
 
محلة عشوائية ومقابر 
هناك توقفنا عند مواطن من سكنة المحلة قال ان اسمه ازغر شفلح زغير، حدثنا قائلا: تسمية الشواكة تتغلب على تسمية محلتي باب السيف والباغي لانها أكثر شهرة منهما، وباب السيف لها مسميات في محلها مثلا أحدهم يبيع الجبن فيسمون المكان باسمه، أول فرع يسمونه (الجيلاوي) لان شخص لديه محل لبيع التتن (التبغ) في اول ركن الشارع يسمونه الجيلاوي وهو مشهور، فصارت التسمية باسمه، وهناك العلاوي، علاوي الحلة الأصلية ثم خان السمك القديم الذي هو التقاعد الان، وكانت هناك محلات جلود لتصنيع الأحزمة وحافظات الأسلحة وما شابه ذلك وكان هناك سوق اسمه المسقف.
واضاف: المنطقة تعبت من ناحية البناء، أما من ناحية الناس فالذي يعجبني هو الناس الذين عاصرناهم في الخمسينات وهناك مسيحيون تركوها بسبب الظروف وحتى املاك لليهود ليس لها احد ولكنها سكنت واغلبها خرائب.
وتابع: ما نيل المطالب بالتمني ولكن استطيع القول ان 75% من البيوت هي مقابر، ادخل اي بيت فسترى، أما الحائط منفوخ على وشك ان يسقط أو السقف منخور بسبب الجرذان أو القدم وهناك ناس سكنوها لعدم وجود الامكانية لتجديد وضعهم، المفروض حسب رأيي ان تهدم كلها ويعوضون الناس وتبنى بناء حديثا، فهي الان مثل المرض لا ينفع معه غير الاستئصال.
خلاصة القول 
ان المحلة البغدادية التراثية متعبة جدا ومتهالكة وتكاد لا تقوى على حمل جسدها لسنوات أخرى، لذلك لابد ن الالتفات اليها بعين الاهتمام والبدء اولا بإزالة دائرة التقاعد العامة التي ستفتح الآفاق وتمنح المكان مجالا رحبا، عسى ان تستعيد بهجتها المفقودة وذكرياتها الجميلة.